تعميق الانقسام بدل تجسير الفجوات

تعميق الانقسام بدل تجسير الفجوات

المغرب اليوم -

تعميق الانقسام بدل تجسير الفجوات

بقلم: عريب الرنتاوي

عمّقت الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس، المخاوف والشكوك بين قطبي الانقسام الداخلي الفلسطيني، بدل أن تسهم في تجسير الفجوات وتقريب المواقف كما كان مأمولاً، وكما يقتضي المنطق والحس السليم.... الخلاف لم يكن عائداً لاختلاف البرامج، والمؤكد أنه لن ينتهي بعد اقترابهما من بعضهما البعض.... فتح حزب السلطة، تصطدم اليوم، بحركة طامعة للتحول إلى سلطة، حتى وإن كانت سلطة لا سلطة لها... اللعب بات على المكشوف، بين سلطتين متنازعتين، لا مطرح للمزايدات والمناقصات، لا بحكاية “المقاومة” ولا بمقولة “صدام البرامج”.

من يقرأ وثيقة حماس، يدرك أن المخاطب بها، ليس الرأي العام الفلسطيني ولا فصائل المنظمة والسلطة، بل الولايات المتحدة وأوروبا و”المجتمع الدولي” على اتساعه، وأن هدف المخاطبة ليس حض المجتمع الدولي على القبول بحماس بوصفها حركة تحرر وطني فلسطينية بمرجعية إسلامية كما نصت الوثيقة، بل القبول بها كحزب حاكم في غزة، ومشروع سلطة في الضفة الغربية إن أمكن ... ما كان مطلوباً من حماس أن تقدم كل ما قدمت لكي يُعترف بها حركة وطنية تحررية، لكن هذه التقدمات، بدت ضرورية للغاية إن أرادت حماس أن تقدم نفسها كمشروع لحزب سلطوي، والمؤكد أنها ليست سوى دفعة أولى على الحساب، ستليها دفعات أكبر، وقد بدأت إرهاصاتها تطل برأسها في ثنايا الشروحات والتوضيحات التي أعقبت صدور الوثيقة.

المواقف والممارسات التي أعقبت إطلاق الوثيقة، تشي بذلك تماماً ... الرئيس المنتهية ولايته للمكتب السياسي للحركة، خاطب بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتبر صدورها “فرصة” يتعين التقاطها، أما الهدف فهو “إعطاء دفع جديد لعملية السلام في الشرق الأوسط”، لاحظوا من يتحدث عن عملية السلام ومتى، بعد خراب البصرة، حماس التي طالما فاخرت بإحباط عملية السلام بسلسلة طويلة من “العمليات الاستشهادية”، تريد اليوم لهذه العملية، أن تنطلق وإن تصل إلى “حل منصف” للفلسطينيين، مراهنة على الرئيس الذي يمتلك “جرأة التغيير”، في الوقت الذي يبدي فيه العالم بأسره، تشاؤماً شديداً في فرص ومستقبل هذه العملية، ويتحدث عن تآكل “حل الدولتين”، ويضع يده على قلبه من الرئيس الأكثر انحيازاً لإسرائيل منذ قيامها.... أليس من حق المراقب أن يتساءل عمّا إذا كان هدف العمليات الاستشهادية تقويض عملية السلام المحملة بالتنازلات كما كانت تقول حماس، أم تقويض فتح والسلطة والمنظمة على حد سواء، وإلا كيف نفسر رفض حماس لهذه العملية عندما كانت “ذات مغزى” ودعوتها لتفعيلها وإحيائها اليوم، وهي في موت سريري ولا تنذر إلا بأوخم العواقب للشعب وحقوقه وأشواقه وتطلعاته الوطنية؟
لا فرصة لاستئناف عملية سلام ذات مغزى، أمر تعرفه حماس ويعرفه رئيس مكتبها السياسي المرتحل، لكن “الفرصة” التي لا يريد تبديدها، هي دعوة واشنطن وبروكسيل للحديث مع حماس، وقد قيل ذلك صراحة في مكان أخر ومقابلة أخرى، عندما ناشد خالد مشعل دول العالم للانفتاح والحديث مع “مختلف المكونات الفلسطينية” ... لا هم لحماس إلا كسر “التمثيل الشرعي الوحيد” وتفكيك أطواق العزلة المضروبة حولها، ومزاحمة عباس والسلطة على هذه الوظيفة، حتى وإن كان الثمن، السير بخطى “شرعية”و”مشروعة” على طريق الصلح والتفاوض والاعتراف.

وعلى ذكر التفاوض، فقد أصبح الموقف اليوم، بعد الوثيقة، يتعلق بالتوقيت فقط، وهو أمر يتقرر بين لحظة وأخرى، وأكاد أجزم بان كل التحفظات ستسقط دفعة واحدة، إن تلقت الحركة نسخة من الدعوة لموائده، أما بقاء هذه الموائد مشغولة بممثلي فتح والمنظمة، فهذا يجعل التفاوض عبثاً ومجازفة، ووسيلة للهبوط بسقوف المطالب والتوقعات الفلسطينية، وربما خيانة وطنية من النوع الجسيم ... المبادئ هنا، مرنة للغاية، وقابلة للتكييف على مقاس الحركة وموقعها، فإن كانت في قلب “عملية السلام” اشتدت الحاجة لإحيائها، وإن كانت من ضمن قائمة المدعوين، فالتفاوض يصبح جائزاً شرعاً ومطلوباً سياسياً ... أما الحلول السياسية التي عادة ما كانت توصف بـ “التصفوية” فقد تتحول إلى “منصفة” إن كانت الحركة على الطرف الآخر من المائدة.

أما ميدانياً وعلى الأرض، فالوثيقة التي قيل أنها جاءت لتعظيم التوافق الوطني، سرعان ما تحولت إلى غطاء لمطاردات وملاحقات لفتح وفصائل أخرى في قطاع غزة، وقرارات بمنع الاعتصامات والتظاهر نصرة للحركة الوطنية الأسيرة ومداهمة عنيفة لتفكيك خيام التضامن مع الأسرى، وتلويح بحظر حركة فتح في القطاع، ووثائق مسربة عن اجتماعات قيادية للحركة في القطاع، تكشف المستور من النوايا والأهداف الكامنة وراء إصدار هذه الوثيقة، والتي تتعلق جميعها بحماس، وحماس فقط، ومن ضمن حدين اثنين: الأول، أدنى، الانحناء أمام عاصفة الضغوط التي تتعرض لها للإبقاء على سلطة الأمر الواقع في غزة، والثاني، أقصى، سقفه النجاح في التأهل لوراثة فتح وبقايا السلطة والمنظمة، حتى وإن تطلب الأمر، إعادة تجريب المجرب والسير، أو حتى “الهرولة” على خطى فتح والسلطة والمنظمة.

ذات يوم، وفي ذروة الاهتياج اليساري، خاطب الراحل جورج حاوي مهرجاناً للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في دمشق قائلاً: حيثما تكونون تكون الشرعية الفلسطينية ... اليوم، تستعير حماس الشعار ذاتها، وتضفي عليه مزيداً من المعاني والأبعاد: حيثما تكون الحركة تكون الشرعية والشرع والشريعة.

المصدر : صحيفة الدستور

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تعميق الانقسام بدل تجسير الفجوات تعميق الانقسام بدل تجسير الفجوات



GMT 15:22 2025 الجمعة ,02 أيار / مايو

سوريا الجديدة ومسارات التكيّف والتطويع

GMT 10:08 2024 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

عن تحولات الجولاني وموسم الحجيج إلى دمشق

GMT 07:14 2021 الجمعة ,24 كانون الأول / ديسمبر

"العالم المتحضر" إذ يشتري البضاعة القديمة ذاتها

GMT 06:17 2021 السبت ,18 كانون الأول / ديسمبر

"فتح" و"حماس" ولبنان بينهما

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:31 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
المغرب اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 13:10 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط فتاة وشاب يمارسان الجنس داخل سيارة نواحي الدريوش

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 11:49 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

تحطم طائرة عسكرية ومقتل طاقمها في الجزائر

GMT 21:00 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

هيكتور كوبر يصرح "قطعنا خطوة كبيرة نحو مونديال روسيا"

GMT 04:46 2019 السبت ,04 أيار / مايو

شركة أمريكية تزيد من عضلات "موستنج".

GMT 14:25 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما يحشد المواطنين ضد الكونغرس "بهاشتاج"

GMT 08:11 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

"فيرست وورلد جنتنج" أجمل فنادق ماليزيا على الإطلاق

GMT 00:32 2016 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد عبد العاطي يكثف الجهود لمواجهة السيول
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib