أردوغان إذ يستبدل شـنغهاي ببروكسـيل

أردوغان إذ يستبدل شـنغهاي ببروكسـيل!

المغرب اليوم -

أردوغان إذ يستبدل شـنغهاي ببروكسـيل

بقلم : عريب الرنتاوي

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعرف ماذا يريد، وهو من النوع “المقاتل” الذي يحرص على نيل مراده، مهما تعاظمت العقبات والصعاب … وفي سبيل تحقيق مراميه، فإن الغاية عنده تبرر الوسيلة، ولا خطوط حمراء يمكن أن تحول بينه وبينها … هو ليس من النوع “الصلب الذي يمكن كسره”، ولا من النوع “السهل الذي يسهل عصره” … ينحو للمغامرة حيناً و”يعرف حده فيقف عنده” في أحيان أخرى.

أمس، كشف أنه فاتح شخصياً كلاً من فلاديمير بوتين (روسيا) ونزار باييف (كازاخستان) بأمر انضمام تركيا لمنظمة شنغهاي، التي تضم إلى جانب البلدين المذكورين، كلا من الصين وقرغيزستان وأوزبكستان وطاجكستان كأعضاء دائمين، وتتطلع كل من الهند وباكستان وأفغانستان وإيران للعضوية الكاملة في هذه المنظمة، وتهدف لتنظيم وتعزيز التعاون الأمني بين الدول الأعضاء في مواجهة التهديدات الأمنية والحركات الجهادية والمخدرات والجريمة المنظمة، وغيرها من آفاق تعاون، يجري العمل على تطويرها.

الذهاب إلى شنغهاي، هو البديل الذي “يلوّح” به أردوغان، إن ظلت أبواب بروكسيل مغلقة في وجه عضوية بلاده في نادي الدول الأوروبية … الأمر لم يخرج بعد عن “التلويح” إلى تقديم “أوراق الاعتماد” … تلكم سياسة معتمدة من قبل الرجل، تقوم على “ابتزاز” الخصوم والأصدقاء على حد سواء، وحتى آخر قطرة، لانتزاع ما يمكن انتزاعه من مكاسب وتحقيق ما يمكن الوصول إليه من مغانم … أوروبا التي ذاقت الأمرين من السياسات الابتزازية لأنقرة، تضيق ذرعاً بالرجل، الذي فتح حدود بلاده أمام “طوفان اللاجئين” ويهدد بفعل ذلك دائماً، إن لم ينل ما يريد.

ولأن الرجل يقود بلاده داخلياً، صوب “ديكتاتورية ناشئة” بعد أن خرجت من خانة “الديمقراطيات الناشئة”، فإنه يعرف تمام المعرفة، بأن الارتداد عن مسار الحريات والحقوق والتحولات الديمقراطية التي شهدتها البلاد في السنوات العشر الأولى من حكم العدالة والتنمية، ستلقي بظلال كئيبة وكثيفة حول مسار انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، لن تنفع معها، تهديدات الزعيم الانفعالي، ورزنامته الزمنية الضيقة التي قذفها في وجه الأوروبيين بقوله: نهاية العام هو الموعد النهائي لتقرر أوروبا بشأن علاقاتها مع أنقرة (؟!)

في هذه المناخات، يأتي حديث أردوغان عن منظمة شنغهاي، فهو ينفع من حيث التوقيت، في “ابتزاز” أوروبا و”النيتو”، إن لم يكن في ملف عضوية تركيا في الاتحاد، فأقله لتنفيذ “اتفاقية التأشيرة”، وإن لم تنفع في هذه ولا تلك، فلا أقل من “لجم” الاندفاعة الأوروبية التي لا تكف عن انتقاد سجل تركيا في ملف حقوق الانسان، بعد أن تحولت إلى أكبر سجن للصحفيين، وبعد أن أعقبت المحاولة الانقلابية الفاشلة، حملة “مكارثية” ضد المعارضين والخصوم من كل الأطياف والأولوان.

لكن من الخطأ الاعتقاد بأن حكاية “منظمة شنغهاي” تندرج فقط في سياق الابتزاز و”التلويح” … في ظني أن الرجل يفكر جدياً باستبدال شنغهاي ببروكسيل، الأولى – عموماً – نادٍ لأنظمة غير ديمقراطية، وبعضها ديكتاتورية بامتياز، إذ باستثناء الهند التي تتحضر لعضوية المنظمة كاملة، يصعب تصنيف أي من الدول الأعضاء الأخرى، او حتى الدول المرشحة للعضوية، بوصفها دولاً أو نظماً ديمقراطية …. هنا سيرتاح أردوغان، مرة واحدة وإلى الأبد، من “شروط كوبنهاجن ومعاييرها” الثقيلة، ولن يجد من بين دول شنغهاي من سيلومه إن هو اعتقل الصحفيين أو أغلق وسائل إعلام، أو زج بعشرات ألوف المواطنين في سجونه … معظم دول شنغهاي إن لم نقل جميعها، سبق وأن تورطت في أعمال مماثلة، وبعضها لا يزال يفعل المزيد من الشيء ذاته.

أوروبا تضيق بتركيا، وتركيا تبتعد عن “معايير كوبنهاجن”، وتتحول إلى دولة تشبه دولنا وأنظمتنا العربية، سياسياً على الأقل، وأردوغان ماضٍ في بناء زعامة لا منافس لها ولا معترض على توجهاتها، وهو إذ أشعل حرباً في جنوب شرق بلاده، لضمان الفوز بالعدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومته منفرداً، من دون اضطرار للائتلاف مع أحزاب أخرى، فإنه مستعد لفعل أي شيء ليبقى في السلطة، وليحيلها إلى سلطنة، يتربع على عرشها إلى ما بعد احتفالات المئوية الأولى لقيام الجمهورية … هذا الطريق لا يمكن أن يفضي إلى بروكسيل، فلا بأس من الذهاب إلى شنغهاي والحالة كهذه.

وسيجد الرجل، ورهط الإعلاميين والمحللين والصحفيين الناطقين باسمه والدائرين في فلكه، تماماً مثلما هو حال إعلامنا العربي مع زعمائنا العرب، الطريقة النسب لتسويغ وتسويق اتجاهات كهذه … فمنظمة شنغهاي تضم ثلاثة مليارات نسمة، بناتج قومي إجمالي يزيد عن العشرين ترليون دولار … المعجزة الاقتصادية التركية يمكن أن تستمر، أقله لبعض الوقت في إطار شنغهاي، بعد أن ثبت لأردوغان، أن المعجزة السياسية التي يريد تحقيقها لبلاده، بتحويلها إلى “ديكتاتورية ناشئة” لن تزدهر وتتحقق الا في حاضنة كهذه، وبعيداً عن أعين الرقيب الأوروبي.

وربما لهذا السبب بالذات، كانت الصين أول من تحمس لعرض أردوغان، فرحبت خارجيتها بالأمر، وأبدت الاستعداد للاستعجال في دراسته واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإتمامه … الصين هذه، صاحبة المعجزة الاقتصادية، هي النموذج الملهم لـ”أردوغان 2” في بعديها الاقتصادي والسياسي … اقتصاد عملاق، ينمو بوتائر عالية، وانغلاق سياسي، ما زال يعمل بنظام الحزب الواحد، ويعتمد أدوات إيديولوجية لفرض الهيمنة والسيطرة على المجتمع بأسره … أليس هذا ما يفعله أردوغان، مستعيضاً عن كارل ماركس وماو تسي تونغ بشيوخ الصوفية والإخوانية؟ … أليس هذا ما يحلم “السلطان” بإنجازه والاحتفال به في العام 2023؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أردوغان إذ يستبدل شـنغهاي ببروكسـيل أردوغان إذ يستبدل شـنغهاي ببروكسـيل



GMT 15:22 2025 الجمعة ,02 أيار / مايو

سوريا الجديدة ومسارات التكيّف والتطويع

GMT 10:08 2024 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

عن تحولات الجولاني وموسم الحجيج إلى دمشق

GMT 07:14 2021 الجمعة ,24 كانون الأول / ديسمبر

"العالم المتحضر" إذ يشتري البضاعة القديمة ذاتها

GMT 06:17 2021 السبت ,18 كانون الأول / ديسمبر

"فتح" و"حماس" ولبنان بينهما

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib