المغرب اليوم  - حكاية حياتي لكازانوفا المغامر الأفّاق يسخر من مجتمع النفاق

"حكاية حياتي" لكازانوفا: المغامر الأفّاق يسخر من مجتمع النفاق

 المغرب اليوم  -

 المغرب اليوم  -

بيروت ـ المغرب اليوم

ان الثقافة الغربية الرفيعة التي لا يستهويها في الحرية الجنسية سوى ما فيها من هرطقة ضد قيم المجتمع، لا يمكنها أن تغفر لكازانوفا كونه عاش سعيداً من دون أي مركبات نقص في هذا المجال. هذه الثقافة نفسها، ومنذ زمن طويل جعلت من دون جوان بطلاً من أبطال مجتمعنا... حيث إن ما يفتنها لديه هو عنصر الإقدام والتحدي والقدرة على جلد الذات والعلاقة مع الأب من جهة ومع السماء من جهة أخرى. أما كازانوفا فإنه على النقيض تماماً من دون جوان، بالنظر الى انه عاش وهو يعرف تماماً كيف يستمتع بسعادته، من دون أن يضطر الى مقارعة تلك القوى التي تحظر عليه تلك المتعة». هذا الكلام الذي كتبه معاصر لكازانوفا عن هذا الأخير، يمكنه، في الحقيقة أن يكشف جانباً أساسياً من علاقة سوء التفاهم التي قامت دائماً بين كازانوفا وبين المتحدثين عنه، أو حتى قارئي مذكراته، ذلك الكتاب الشهير الذي لا شك يحاط هو الآخر بالكثير من ضروب سوء الفهم. ومع هذا يعتبر كتاب «المذكرات» هذا، والذي عنوانه الأصلي «حكاية حياتي» واحداً من أشهر كتب المذكرات في القرن التاسع عشر، كما يعتبر واحداً من أشهر الكتب «الإباحية» في تاريخ الأدب الغربي. ولكن ماذا لو كان «حكاية حياتي» لا يفرد الى الجانب الإباحي سوء الجزء الضئيل جداً، تاركاً معظم صفحاته للحديث عن حياة المجتمع وعيوبه وأسراره في طول أوروبا وعرضها؟ ماذا لو كان الكتاب دراسة عميقة للأخلاق والنفوس والأهواء في زمنه، أكثر بكثير مما هو كتاب يروي مغامرات كازانوفا الغرامية؟ والحال ان هذا الأمر ليس سوء التفاهم الوحيد المتعلق بهذا الكتاب، إذ هناك أيضاً السؤال عمن كتبه حقاً. فـ «حكاية حياتي» الذي صدر للمرة الأولى، مقتبساً الى الألمانية عام 1822، بعد ربع قرن تقريباً من موت كازانوفا، وصدر بالفرنسية - اللغة التي بها كتب أصلاً - عام 1826، قيل دائماً ان كازانوفا كتبه خلال السنوات الأخيرة من حياته (أي خلال النصف الأول من تسعينات القرن الثامن عشر)، بل قيل ان مؤلفه الحقيقي هو ستاندال، الكاتب الفرنسي الذي لم يكف عن إبداء إعجابه بشخصية كازانوفا ومغامراته. ومهما يكن من أمر، فإن ثمة أصلاً مخطوطاً للكتاب وجد في قصر في مدينة لايبزيغ، أجمع الباحثون على أنه من كتابة كازانوفا نفسه، وهو يختلف الى حد ما عن النسختين المنشورتين أولاً. ومع هذا لا يسعى الباحثون الى التركيز على هذا الأمر كثيراً، طالما أن ما في «حكاية حياتي» يروي حقاً، وفصلاً بعد فصل، ما تؤكده وثائق ومدونات تلك المرحلة عن حياة كازانوفا كما عن مغامراته، ناهيك - وهذا هو الأهم - بأن ما يصفه كازانوفا في كتابه من حياة المجتمعات الأوروبية ومزاجاتها وأخلاقياتها يبدو شديد الدقة ويمكن استخدامه حتى من المؤرخين. > فالحقيقة ان قراءة معمّقة ودقيقة لـ «حكاية حياتي» تجعل حكايات المغامرات الغرامية، التي عاشها كازانوفا وصنعت له شهرته كزير نساء محتال وأفّاق، أمراً ثانوياً، مقارنة مع الجانب الاجتماعي في الكتاب. غير ان كازانوفا لا يصف لنا هذا كله إلا من خلال نظرته ومعايشته الشخصية، بادئاً من سيرته الشخصية التي تلي مقدمة حاول فيها أن يبرر سلوكه الشخصي الذي كان أهل مجتمعه يرونه مشيناً. وهكذا يروي لنا ولادته عام 1725 في البندقية، وطفولته قبل أن يصبح في الثامنة من عمره حينما بدأ يراقب الناس ويرصد أحوال المجتمع من حوله بعينين مفعمتين بالفضول. والحال أن مجتمع البندقية كان يوفر لأي راصد، ومهما كان شأنه، فرصة ذهبية للتأمل والمقارنة. وهكذا راح صاحبنا يفتح عينيه على العالم وعلى الناس، وقد آلى على نفسه باكراً - وكما يقول لنا هو نفسه - أن يبدأ بالسعي للعثور على دور له يلعبه في بيئة كهذه. غير أن جدته التي كانت هي من يتولى أمر تربيته تقطع عليه هذا المسار، إذ ترسله وقد أضحى في سن المراهقة الى بادوفا ليدرس. وهناك يلتقي حبه الأول: الحسناء بتينا التي ما إن يهيم بها حتى يكتشف أن لديه غريماً جدياً تفضله هي عليه، فلا يكون منه إلا أن يوحي للناس بأن الفتاة ممسوسة، وهكذا يبتعد عنها الغريم، لتكون تلك أول مغامرة نسائية حقيقية في حياة كازانوفا. > وكانت تلك المغامرة كذلك فاتحة سلسلة طويلة عريضة من مغامرات يرويها لنا في كتابه، وتضعه في أحيان كثيرة في موضع الخطر، كما في موضع لوم المجتمع، لكن كازانوفا إذ يروي هذا كله، لا يشوب روايته له أي مرارة، بل يرويه بسعادة ومرح كأن سعادة حياته كلها إنما صنعت من مثل هذه الأمور. أو كأنه يريد أن يؤكد ان ذلك كله قد أعطاه حريته... وأن تلك الحرية التي استقاها من الحدود القصوى للمغامرة، كانت هي ما مكنه من أن يتعامل مع المجتمع نفسه بحرية وأن ينظر اليه، دائماً، بتهكم وسخرية. > ونحن إذ نقول هذا نكون قد وصلنا الى الجانب الأهم والأعمق من جانبي كتاب «حكاية حياتي». فالحال ان كازانوفا إذ تنقل بين عواصم أوروبا وقصور سادتها الكبار، بعدما عاش أولاً متنقلاً بين المدن الايطالية ثم الفرنسية، تمكن من أن يتجابه ميدانياً مع الضعف الإنساني في أقسى تجلياته. ذلك ان حريته وترفعه مكنّاه من ألا يحتاج أحداً. ولقد مكنه هذا بدوره من أن يحس بانطلاق غريب رافقه طوال حياته وجعله قادراً على الرصد الدقيق للمجتمعات وأهلها. فهو، كما انه حينما ناهز العشرين ارتدى مسوح القسيس، خلعها ليرتدي مسوح الضابط العسكري، ثم مسوح المدني، ما جعله مراقباً للعوالم الثلاثة، تنقل دائماً بحس المغامرة الذي طبعه، وكذلك بفضل قدرته الفائقة على الاحتيال - في شكل يجعله خليفة حقيقية لأبطال المقامات العربية -، تتنقل بين القصور والطبقات الاجتماعية. وهو إذ يحدثنا في الكتاب عن هذا كله، غير آبه إذا اضطر الى الحديث عن عيوبه ومساوئه الشخصية كما عن ضروب احتياله، طالما ان هذا يمكّنه من الحديث الصريح عن الآخرين، نجده نصيراً حقيقياً للصدق في الرواية، ميالاً في شكل حقيقي الى مناصرة الطيبة الغريزية والجمال في شكل ندر أن عهد وجوده إلا لدى كبار الفلاسفة الأخلاقيين المتأملين. وهكذا، إذ يحدثنا كازانوفا عن تنقّله طوال نصف قرن بين لندن والقسطنطينية، بين باريس وروما، بين فيينا وبراغ وميلانو وغيرها، يصف لنا ضروب النفاق الاجتماعي ومؤامرات القصور ومناورات الكواليس وطموحات الرجال وغرور النساء في أوروبا النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أوروبا التي كانت تعيش واحدة من أغرب المراحل الانتقالية في تاريخها. ومن هنا جاء هذا الجانب في الكتاب صورة حقيقية وقاسية جداً لأوروبا هذه، صورة لا تخلو من أبعاد سيكولوجية رهيفة، في وصف الكاتب للملوك وللمحظيات، للمغنين والممثلين، للتجار والصناعيين، للشرفاء والأفاقين... باختصار لكل العناصر التي كانت تكوّن مجتمعات أوروبا في ذلك الحين. والأجمل من هذا كله وصف الكاتب لأسلوبه هو في التحرك داخل متاهات تلك العوالم ورمالها المتحركة، وغالباً من طريق مغامراته النسائية التي يقدم عليها، أحياناً بهوى حقيقي، وأحياناً من دون أي متعة على الإطلاق. ولعل هذا ما يفتن أكثر من أي شيء آخر لدى هذا الكاتب - الأفّاق الذي لم يكن كلود روا، كاتب مقدمة الطبعة الفرنسية الأكثر معاصرة لمذكراته، مخطئاً حينما قال عنه «إن كازانوفا يضع نفسه، في ًشكل طبيعي، في صف الهازئين أكثر مما يضعها في صف الجائعين. ومع هذا يحدث لنا أن نلاحظ ان هذا الأفّاق الذي عاش من دون ايمان أو ضمير، كان كاتبا لا يقاوم وشاهدا رائعاً على عصره... على نفسه وعلى عصره...». > كازانوفا (1725 - 1798) واسمه الحقيقي جان كازانوفا دي سينيالت أوحى الى الكثيرين من الموسيقيين والمسرحيين ثم الى السينمائيين في القرن العشرين بعشرات الأعمال الفنية. ولعل أشهر من استوحاه المخرج الايطالي فدريكو فلليني الذي حقّق عنه فيلماً متميزاً، عنوانه «كازانوفا - فلليني» مثّل فيه الكندي دونالد ساذرلاند دور المغامر الساخر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 المغرب اليوم  - حكاية حياتي لكازانوفا المغامر الأفّاق يسخر من مجتمع النفاق  المغرب اليوم  - حكاية حياتي لكازانوفا المغامر الأفّاق يسخر من مجتمع النفاق



 المغرب اليوم  -

أثناء حضورها حفلة يونيفرسال ميوزيك في لندن

جيسيكا رايت تتألق في بذلة زرقاء توضح مفاتنها

لندن - كاتيا حداد
تألقت جيسيكا رايت أثناء حضورها لحفلة يونيفرسال ميوزيك، في لندن، مرتدية بذلة زرقاء رائعة، تكشف عن جسدها المذهل، فيما كانت بخط عنق منزلق. وحلقت جيسيكا نحو الشهرة خلال عرض آي تي في بي، في عام 2010، عندما كانت قصتها المركزية تذكرتها نحو النجومية الموسيقية مع مجموعة صديقتها لولا، قبل أن تكمل العرض وحدها في عام 2012. وقبل جوائز بريت، ليلة الأربعاء، كبار نجوم صناعة الموسيقى تجمعوا في الحفل، وضمنت جيسيكا أنها بدت في أفضل حلة لها. وساعدها في ذلك البذلة الزرقاء الأنيقة، التي أظهرت جميع مفاتنها، وتباهت بمنحنياتها التي لا تشوبها شائبة، فقد بدا جسدها كالساعة الرملية في البذلة من القطعة الواحدة. ومع خط العنق الملفوف، تمكنت من إعطاء مجرد تلميح عن صدرها، الذي خضع لعملية تكبير في عام 2011، مما زاد من حجمه لـ32DD. ولم تعرض البذلة صدرها فقط، بل خلفيتها المثالية أيضا، حيث جاءت ضيقة من…

GMT 02:38 2017 الخميس ,23 شباط / فبراير

قوات الشرطة تطوق منزل نائب الرئيس الأفغاني
 المغرب اليوم  - قوات الشرطة تطوق منزل نائب الرئيس الأفغاني

GMT 09:21 2017 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

حفل توقيع و مناقشة المجموعة القصصية "المواطن أسود"

GMT 22:07 2017 الجمعة ,06 كانون الثاني / يناير

عبد الرحيم كمال يناقش روايته "بواب الحانة" في مكتبة أ

GMT 08:42 2017 الأربعاء ,04 كانون الثاني / يناير

استقراء التاريخ في رواية "زمن الخوف" لإدريس كنبوري

GMT 23:05 2017 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

مناقشة كتاب رحلة في عالم إنسان بالكتب خان 9 كانون الثاني

GMT 21:49 2017 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

مناقشة مسرحية "الجنزير" في مسرح ميامي 24 كانون الثاني

GMT 20:13 2016 الجمعة ,30 كانون الأول / ديسمبر

مناقشة كتاب "مهارات التواصل" في مكتبة القاهرة الكبرى
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -

GMT 01:48 2017 الإثنين ,20 شباط / فبراير

جنات تكشف سبب تقديم "صباح الخير" في عيد الحب

GMT 01:47 2017 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

نهان صيام تبيّن أهم قطع الإكسسوار المحببة للمرأة

GMT 04:45 2017 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

خبراء يحذرون من خطورة نقص الأكسجين في المحيطات

GMT 05:30 2016 الجمعة ,30 كانون الأول / ديسمبر

منى أحمد تكشف عن توقعاتها للفنانين في 2017

GMT 01:44 2017 الأحد ,19 شباط / فبراير

نصائح مهمة للحصول على مظهر جذاب ومثير
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -
 
 Morocco Today Facebook,morocco today facebook,المغرب اليوم الفيسبوك  Morocco Today Twitter,morocco today twitter,المغرب اليوم تغريد Morocco Today Rss,morocco today rss,rss Morocco Today  Morocco Today Youtube,morocco today youtube,المغرب اليوم يوتيوب  Morocco Today Youtube,morocco today youtube,المغرب اليوم يوتيوب
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib