ايبولا بين الخيال الروائي وتحديات الواقع
آخر تحديث GMT 19:38:58
المغرب اليوم -

"ايبولا" بين الخيال الروائي وتحديات الواقع

المغرب اليوم -

المغرب اليوم -

الخيال الروائي
القاهرة ـ أ ش أ

بين خيال روائي وواقع لا خيال فيه يفرض فيروس الايبولا القاتل وجوده المرعب الآن ويثير أسئلة ومخاوف وتحديات تتطلب انصاتا لصوت مبدع مثل امير تاج السر في روايته "ايبولا 76".
وكانت أنباء قد توالت أثناء عيد الأضحى بأن الساحات والأماكن العامة المخصصة لصلاة العيد في غينيا كانت مهجورة فيما طلب رجال الدين في سيراليون من جموع مواطنيهم ألا يتعانقوا للتهنئة بحلول العيد.
وتبقى الطريقة الوحيدة حتى الآن لوقف انتشار الوباء عزل المصابين بالايبولا التي غيرت مشهد الحياة المعتاد في غرب أفريقيا وأصابت البشر بحالة من الذعر بينما تفرد الصحف ووسائل الإعلام مساحات لنصائح الباحثين في علم الفيروسات .
وأعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخرا أنها انتهت من إنتاج 1500 جرعة تجريبية من لقاح لفيروس ايبولا تمهيدا لاستخدامها تجريبيا اعتبارا من بداية العام القادم.
وإذا كانت الأعراض في المراحل الأولى للإصابة التي تتراوح ما بين يومين وثلاثة أسابيع عامة وغير مميزة مثل الإعياء والرغبة في القيء وآلام البطن والمفاصل، فإن أعراض الايبولا في المراحل المتقدمة تتجلى في نزيف من فتحات الجسم الخارجية مع انخفاض شديد في ضغط الدم وفشل عام في اجهزة الجسم الحيوية.
ووسط واقع مشحون بالمخاوف والتحديات تشكل رواية "ايبولا 76" استجابة ابداعية للروائي السوداني أمير تاج السر حيال وباء يهدد البشر في منطقة غرب أفريقيا، بقدر ما تبرهن على أصالة مثقف عربي يسبق بهذا العمل الابداعي الروائيين في الغرب ويعبر فيه عن رؤية إنسانية تتحدى الرعب والموت.
ولعل أمير تاج السر في "ايبولا 76" يؤكد حقيقة ان كل شيء في هذا العالم، بما فيه المرض، يمكن ان يكون مصدرا للإبداع ويتحول إلى مادة ابداعية باستعارات وتأويلات ثقافية تنتصر للحياة وتسخر من الموت كأسلوب لمقاومته وان سلمت بحتميته.
والرواية صدرت عام 2012، أي قبل ان يتحول اسم ايبولا الى مرادف للموت ولكل ما هو مرعب ومخيف وملغز في هذا العالم، بينما يشير الرقم 76 الى حقيقة ان فيروس ايبولا اكتشف لأول مرة عام 1976 وها هو الآن يتجاوز خيال أمير تاج السر ويثير تساؤلات في عصر العولمة وحقيقة ومعنى مقولة مثل "الذات الكوكبية".
وفيما نسج خيال أمير تاج السر شخصيات في روايته مثل "لويس نوا"، و"جيمس رياك"، و"كانيني"، و"مونتي"، تشكل كلها لوحة لأعماق مجتمع افريقي يعاني من صراعات متعددة، فإن الواقع الآن مسكون بمخاوف الموت في عدة دول بغرب افريقيا ويثير قشعريرة بين أربعة اركان المعمورة.

وإذ يصارع توماس اريك دانكان الفيروس القاتل ضمن خمسة أشخاص في الولايات المتحدة أصيبوا بالايبولا قال الرئيس الأمريكي باراك اوباما أن بلاده تسعى لتطوير فحوصات جديدة للكشف عن هذا الفيروس الذي يشكل خطرا دهما على أرواح البشر في دول غرب أفريقيا وخاصة في ليبيريا وغينيا وسيراليون.
ولئن انتصر امير تاج السر للحياة والحب في روايته "ايبولا 76"، فمن سوء الطالع في الواقع ان الدول التي تفشى فيها فيروس الايبولا بغرب أفريقيا تعاني من مشاكل اقتصادية وأنظمة متهالكة للرعاية الصحية، فيما تؤدي تداعياته لخسائر اقتصادية فادحة وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية في بلدان لديها ما يكفي من ألوان المعاناة وأمراض أخرى ليست أقل خطورة مثل الإيدز.
ومن بين نحو 7500 إصابة مؤكدة أو محتملة أودى فيروس الايبولا حتى الآن بحياة أكثر من 3400 شخص ، ومن نافلة القول أن تحديا في حجم كارثة الايبولا وهو فيروس ينتقل عن طريق سوائل الجسم مثل الدم واللعاب، ينبغي أن يسهم في نهاية المطاف في تطوير البحث الطبي ، بل ومجموعة من العلوم المرتبطة بالطب جنبا إلى جنب مع تحفيز الخيال الابداعي وإثراء الثقافة بجديد الأعمال مثل "ايبولا 76" لأمير تاج السر.
وأمير تاج السر وهو طبيب تخرج من جامعة طنطا في مصر بدأ مسيرته الابداعية بالشعر قبل الانتقال للرواية التي وجدت ما يغذي خيالها مع انتقاله للعمل في أماكن قصية بالسودان قبل ان يتوجه للخليج وتتوالى أعماله، ومن بينها "سماء بلون الياقوت"، و"نار الزغاريد"، و"سيرة الوجع"، و"عيون المهاجر"، و"مهر الصياح"، و"زحف النمل"، و"صائد اليرقات"، و"العطر الفرنسي".
ولعل أمير تاج السر الذي بدأ مسيرته الروائية بعمله "كرمكول" كان بحق صاحب بصيرة ابداعية وقدرات ثقافية تجلت في رواية "ايبولا 76"، التي يتناول فيها هذا الفيروس القاتل في سياق اجتماعي حافل بالتناقضات ومآسي الوجود الانساني.
لكنه لم يغفل او يهمش شجاعة بعض البشر في مواجهة كوارث ككارثة الايبولا وهي حقيقة تتجلى الآن في الواقع حيث يتحدث ابناء سيراليون مثلا بفخر عن طبيب شاب من مواطنيهم يدعى "الشيخ عمر" دفع حياته ثمنا لمواجهته الشجاعة للايبولا التي تفتك بمن ابتلي بها.

ولئن تناول أمير تاج السر في روايته "ايبولا 76" قضايا عدة كالسحر، فإن هذه القضية قد يكون الواقع فيها أغرب من الخيال وقد تؤدي الثقافة المضادة للعقلانية والمروجة للأساطير وممارسات السحر لانتشار الايبولا كوباء يحمل أصلا اسم نهر في زائير بعد أن ظهر عند ذلك النهر لأول مرة في عام 1976، وقيل انه ينتقل للانسان من القرود والخنازير.
وبيتر بيوت ، مدير مدرسة لندن للسلامة الصحية، هو أول من اكتشف فيروس إيبولا عام 1976، وانتقل بعد ذلك لإدارة برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الايدز، فيما يبقى السؤال: أين العلاج الناجع للايدز الذي قتل ببطء ومكر اكثر من 30 مليون إنسان أو للايبولا التي تقتل بسرعة ودون مواربة؟
وإن قيل أن الشكوك العميقة للأفارقة في "نوايا الرجل الأبيض" القادم عبر البحار تعرقل بناء بيئة مواتية لمجابهة وباء الايبولا، فإن من حق البعض أن يتساءل عن أسباب غياب الجهود البحثية للطب الغربي عن حلول ناجعة لأوبئة وفيروسات أنهكت الإنسان الأفريقي مثل الايدز وحتى الايبولا!
وقد يبدو ذلك جليا في جائزة نوبل للطب، حيث لم يعرف مثلا ان باحثا نال هذه الجائزة عن اكتشاف يشكل حلا حاسما للايدز أو الايبولا التي ظهرت منذ النصف الثاني لسبعينيات القرن الماضي، رغم ان مثل هذه الظاهرة تتنافي مع العولمة او "الكوكبية" والحديث الغربي المستمر عن ذلك العالم الذي بات صغيرا للغاية ويسهل عبوره من مكان لمكان قصي في وقت ليس بالطويل.
وفيما افتتحت جوائز نوبل لهذا العام بجائزة الطب، فإن هذه الجائزة منحت لثلاثة باحثين نجحوا في حل مشكلة وصفتها لجنة جوائز نوبل بأنها "شغلت فلاسفة وعلماء على مدى قرون عدة"، وهي :"كيف يضع الدماغ خريطة للمكان المحيط بنا وكيف يمكننا ان نجد طريقنا في محيط معقد؟
والباحثون الثلاثة جون اوكيف، وادفارد اي موزر، وزوجته ماي بريت موزر تمكنوا من اكتشاف نظام في دماغ الإنسان هو بمثابة جهاز تحديد مواقع داخلي أشبه ما يكون بجهاز "جي.بي.اس"، وقد يسفر هذا الاكتشاف عن نتائج ايجابية على صعيد علاج مرض الزهايمر.
لكن إشكالية تهدد أرواح آلاف وآلاف البشر مثل الايبولا، قد تكون سبل مواجهتها كاشفة عن الرؤية المستقبلية للقوى التي تقود هذا العالم، وهي بالتأكيد أيضا إشكالية بحاجة لعلاقة عضوية بين الفلسفة والمعارف الإنسانية، بل والإبداع الروائي كما فعل أمير تاج السر في "ايبولا 76".

وقد تحدث المفكر المصري الدكتور مراد وهبة عن الفيلسوف الهندي شاتوباديا، منوها برؤيته المستقبلية التي يستند فيها الى "إيجاد علاقة عضوية بين الفلسفة والمعارف الإنسانية المتباينة, وبين الفلسفة والعلم وبالذات الفيزياء"، التي فاز بجائزة نوبل فيها هذا العام اثنان من اليابانيين وأمريكي من اصل ياباني عن تطبيق يعرف بالصمام الثنائي الباعث للضوء ومن شأنه تحقيق وفر كبير في استهلاك الطاقة.
والعالم الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبيرج هو صاحب مبدأ "اللا يقين" الذي توصل إليه عام 1927، وهو مبدأ يفضي لانفتاح الذات على الآخر ويكون من شأن هذا الانفتاح أن تعي الذات إنها جزء من مكون اكبر منها وهذا المكون الأكبر هو المجتمع في البداية، ثم يصبح كوكب الأرض.
إنها "الذات الكوكبية"، كما يقول الدكتور مراد وهبة، معتبرا أن الحضارة الإنسانية في طريقها إلى الانتقال من مركزية المجتمع إلى مركزية كوكب الأرض وبالتالي إلى الترابط وليس إلى التفكك، بيد أن هذا الترابط ليس ممكنا غلا بفضل وحدة المعرفة.
غير أن هذه "الذات الكوكبية" لم تتجل بعد بما فيه الكفاية لمواجهة فيروس ايبولا حيث يجنح الغرب وخاصة الولايات المتحدة لإجراءات العزل ووقف رحلات الطائرات القادمة من دول غرب أفريقيا اكثر من جهد بحثي فاعل في المختبرات للانتصار الحاسم على الكارثة التي تهدد أساسا الأفارقة.
أمر محزن للغاية ما يقوله الأطباء من ان الموت في انتظار نسبة لا تقل عن 90 في المائة من الذين أصيبوا بفيروس ايبولا، بينما العلاج الناجع غائب حتى الآن وكل اللقاحات تحت التجربة وقد يستغرق الأمر سنوات قبل التأكد من فاعليتها!
وغني عن البيان ان الأمر كان سيختلف كل الاختلاف لو ظهر هذا الفيروس على سبيل المثال في أمريكا بدلا من أفريقيا وشكل تهديدا حقيقيا للأمريكيين كما هو الحال الآن في غرب افريقيا.
ورغم كل ما يثيره الواقع من تحديات وآلام ومخاوف يبقى الأمل أقوى من اليأس كما يشعر القاريء لرواية "ايبولا 76"، ويبقى القلب المحب أقوى من لحظة الرعب وأشباح الفيروس القاتل.. وتبقى خيوط المرح المشاكس أقوى من رعدة الخوف.

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ايبولا بين الخيال الروائي وتحديات الواقع ايبولا بين الخيال الروائي وتحديات الواقع



ميريام فارس بإطلالة بسيطة وراقية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 11:34 2021 الخميس ,28 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات بنطلونات اختاريها هذا الشتاء بعيداً عن الجينز
المغرب اليوم - موديلات بنطلونات اختاريها هذا الشتاء بعيداً عن الجينز
المغرب اليوم - ساحة جامع الفنا السياحية في مراكش تعلن عن فرض جواز التلقيح

GMT 11:29 2021 الخميس ,28 تشرين الأول / أكتوبر

تنسيق الشموع العطرية في ديكورات المنزل العصري والمتجدد
المغرب اليوم - تنسيق الشموع العطرية في ديكورات المنزل العصري والمتجدد

GMT 18:23 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الجزائر تُهدد بمنع "فرانس برس" من العمل على أراضيها
المغرب اليوم - الجزائر تُهدد بمنع

GMT 13:58 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

كيفية تنسيق الحقائب الكلاتش في إطلالتك اليومية
المغرب اليوم - كيفية تنسيق الحقائب الكلاتش في إطلالتك اليومية

GMT 14:02 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

قواعد اختيار طاولة القهوة في غرفة الجلوس
المغرب اليوم - قواعد اختيار طاولة القهوة في غرفة الجلوس

GMT 23:03 2021 الإثنين ,18 تشرين الأول / أكتوبر

علماء الأرض داخل "نفق عملاق" يصل إلى "نهاية الكون

GMT 22:56 2021 الإثنين ,18 تشرين الأول / أكتوبر

تمساح برأس متجمد وجسم حي "خياران أقساهما مر

GMT 03:00 2021 السبت ,09 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة امريكية تبرئ رونالدو من تهمة إغتصاب إمرأة

GMT 13:54 2021 الجمعة ,08 تشرين الأول / أكتوبر

جماهير نيوكاسل تحتل الملعب العريق أمام توتنهام

GMT 07:02 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مبابي يقود سان جيرمان لتحقيق الـ"ريمونتادا" أمام أنجيه

GMT 04:42 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

موقف زيدان من تدريب نيوكاسل

GMT 04:47 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب ليفربول يعلق على الاستحواذ السعودي على نيوكاسل

GMT 04:58 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

باريس سان جيرمان يفلت من كمين أنجيه
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib