تونس - حياة الغانمي
أكد المختص في علم الاجتماع، الدكتور عادل بالكحلة، "أنه من المبالغة أن نعتبر أن ما حصل إلى الآن "ثورة"، فإذا قرأنا جيدًا اللوحة التفصيلية لعدة مفاهيم للثورة، نجد أننا لم نفعل على أقصى تقدير، سوى حراك ثوري نزع في لحظة وعي وإيمان بالقدرات الجمعية إلى تغيير النظام بآخر، وإلى "الثورة" سواء في تفاصيل الشارع أو الانتظام الجمعوي أو الممارسات الإنترنتية أو الموسيقية أو العمل الفكري أو الحراك داخل المؤسسات، ولكن كل ذلك لم ينته إلى نجاح واضح، سواء بواسطة "الدولة العميقة" أو لعبة الاستخبارات الأجنبية والداخلية متدامجة مع إخراج حزبي، أو خذلان الكثير من الأحزاب والقوى السياسية والإيديولوجية للمطالب الشعبية الكبرى الواضحة، طمعًا في رضى خارجي، إمبريالي أو موقع داخلي-استزلامي، أو رهانًا على أهداف وهمية للحزب أو لحلفه العالمي، مؤكدًا أنها "ثورة مغدورة"، كما قال تروتسكي عن الثورة الروسية.
وأضاف بالكحلة، أنه من المعلوم أن أكثر من نصف المواطنين بكثير، لم يشاركوا في الانتخابات الأولى والثانية، والأخطر أن 70 % من الشباب لم يعبأوا بها، إما لأن الشعارات سياسية بحتة وغير معنية بالاقتصادي، بينما الأكثرية من السكان مصرة على مركزية الاقتصادي، أو لأن الشعارات الاقتصادية كانت فضفاضة لم تغر الأكثرية، أو كانت في اتجاه ليبرالي مكشوف أو يمكن اكتشافه، فلم تر أكثرية فيها حلًا لأزمتها، أو لأن أحزابنا انتخابية فلم تجد الوقت الكافي ولا الأساليب الناجعة للوصول إلى عقول المواطنين، بل إن بياناتها الانتخابية لم تكن برامج انتخابية، فأكثرية الشباب محبطة، وهذا أمر ينذر بمخاطر عصيان شبابي عام، لكنه من سوء الحظ لن يكون ذا إستراتيجية ، لا سيما أن النخبة "كالأحزاب" غير معنية بالاقتراب من مطالب الشباب والطبقات الاجتماعية المحرومة، والتنظير لخريطة توازن جهوي ولإعادة بناء للشخصية القاعدية الشبابية نحو النجاعة، والقدرة على الحوار الشبابي-الشبابي، وعلى التخطيط الإستراتيجي والواقعي.
كما أشار بالكحلة ، إلى أن "جمعياتنا تحت سلطة جيل الشيوخ، الوجلين من إقحام الشباب في السلطة الجمعوية، وإذا أقحموهم جعلوهم تحت شروط استزلامية وتفسيخية، ولذلك فهي في أكثرها عقيمة، ومساوقة للعمل الحزبي أو للتوجيه الأجنبي الممول لها، إنها غير قادرة على جمع الاختلافات الإيديولوجية والأحزابية والقبلية، وحتى العرقية أحيانًا، وليس لأكثرها قدرة على الاندماج في دينامية جهوية يمكن أن تعيد ترتيب الجهة اقتصاديًا وثقافيًا، والكثير من التي تأسست عامي2011و2012 أصبحت حبرًا على ورق، لا سيما أنها تعرضت لحرب عنيفة من أحزابنا لأنها ترفض أي سياق جمعوي خارج أفلاكها".
وشدد بالكلحلة، أنه لم يكن أكثر إنتاج النخبة في حجم تضحيات الشباب والمحرومين والشهداء، بعد أن اكتفت بالفرجة في عمومها، رغم أن أفذاذًا منها كانوا في مقدمة الجماهير يوم 17ديسمبر2010، ويوم 14 يناير 2011، ففي العامين الأولين من الحراك الصوري، لم ينخرط الباحثون في كتل علمية، بل استمروا في عمومهم في الفردانية والتفتيش عن الدينار والبترودولار، مقابل معلومة قد تكون وهمية وقد تكون مجرد كلمات دون محتوى علمي، بل وجدنا أحيانًا "خبراء" لم يكونوا في وقت من الأوقات مجرد مدرسين، فقد كان من"حقهم" الاستهتار بالدرس والترقي السريع دون مؤهلات موضوعية وقانونية، مدعومين بالعصبية الأيديولوجية والاستزلام مع القوة الحاكمة حتى بعنوان المعارض.
وأوضح بالكحلة، "أن هؤلاء وجدناهم في المشرق العربي بعد"تدقيجهم" في "أعلى" مستويات التنظير للثورة والربيع، ولم تثر الجامعة على نفسها، أي لم تنخرط في "الثورة"، وواصلت عمومًا في استهلاك المعرفة الغربية الحديثة أو المعرفة العربية القروسطية، وفي إهمال قضايا شعوبنا وطبقاتنا الإستراتيجية، واستمرت فردانيتها وعصبياتها، والمطلوب هو حوار جامعي-جامعي، فالوقت يمر، وكلما فرطنا في عام يصبح أمر التقويم أصعب، أكثر ما نحتاجه هو تفهم الجامعيين لبعضهم ومزيد من عقلنة مؤسسات البحث العلمي وجمعياته، فلقد صيغ الكثير منها بقانون أساسي يركز احتكار القرار وجعله أحيانا عائليًا، "بين الزوج والزوجة في المؤسسة مثلًا"، فإذا لم نستطع أن نكون ديمقراطيين في مؤسستنا وضقنا ذرعًا بالمعارضة الإيجابية داخلها، فلا حق لنا في أن نطالب بالديمقراطية مع الدولة".
وبشأن مستقبل تونس، قال بالكحلة، "إننا أضعنا الكثير من الفرص، وما زالت الأحزاب والنخب مغرورة، والشباب يحمل شحنة كبيرة من الحنق على الدولة وعلى الأحزاب التي فكرت في النظام السوري أكثر مما فكرت في النظام التونسي الجديد، والوضع الاقتصادي ما زال يصعب، المطلوب حالة من الخلاقية في إنتاج الحلول، والإصرار على الوحدة الوطنية والمغاربية والعربية، فمن المستحيل البحث عن حلول قطرية، ومن الوهم التفكير في مدد فرنسي أو أميركي أو سعودي أو قطري أو إماراتي".
ولفت بالكحلة، إلى أن النخب عليها الاقتراب من الشباب، وملامسة الوضع المحلي والجهوي، والانفتاح على النخب في المغرب الكبير والعالم العربي، والثالث لتبادل الخبرات والحلول الجماعية، وعلى الأحزاب أن تكف عن التكبر على النخب أو التفكير في توظيفها، فالوضع الثقافي والنفسي والمعرفي والاقتصادي والجمعوي صعب جدًا، إنه يتطلب تشاؤم العقل وتفاؤل الفعل وقوة الإرادة الجماعية، ليس لدينا وقت لنضيعه".


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر