لندن - زكي شهاب
أحياناً لا تكون العودة إلى الوطن عودةً إلى مكان، بل إلى نسخة قديمة من الذات.من هذه الفكرة ينطلق فيلم «ظلال بيروت» (Shadows of Beirut) للمخرجة تينا غراوي، الذي يصل إلى دور السينما في المملكة المتحدة في 25 أيلول سبتمبر 2026، في عمل إنساني تتداخل فيه الذاكرة مع الهوية، والحب مع الألم، والرغبة في المصالحة مع الخوف من مواجهة الماضي.
تبدأ الحكاية بعد غياب دام 25 عاماً، حين تعود شابة إلى بيروت لزيارة والدها الذي يحتضر، الرجل الذي لم تره منذ طفولتها. كان من الممكن أن تكون الزيارة مجرد وداع، لكنها سرعان ما تتحول إلى مواجهة مع تاريخ شخصي وعائلي ظلت تحاول الابتعاد عنه طوال حياتها.
ففي المدينة التي كانت تسميها يوماً «الوطن»، تعود الذكريات إلى الواجهة، ويصبح الماضي حاضراً أكثر مما توقعت. وبين شوارع بيروت ووجوه أشخاص عرفَتهم في زمن مضى، وعلاقات جديدة تنشأ بصورة غير متوقعة، تبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة لا تبحث فقط عن إجابات بشأن الآخرين، وإنما عن فهم الذات أيضاً.
وطن لا يمكن تركه خلفنا
يستمد الفيلم الكثير من قوته من كونه مستوحى من تجربة شخصية للكاتبة والمنتجة والبطلة اللبنانية تالا خليل. إلا أن «ظلال بيروت» لا يقدم سيرة ذاتية مباشرة، بل يحول التجربة الشخصية إلى مساحة تخييلية تسمح بطرح أسئلة أوسع حول العائلة والانتماء والذاكرة والشفاء.

مشهد من فيلم ظلال بيروت
تقول خليل إن نشأتها علمتها أن تنظر دائماً إلى الأمام، وألا تعود إلى الوراء. لكن هذه القاعدة أصبحت أكثر صعوبة في ظل معاناتها مع اضطراب الوسواس القهري في العشرينات من عمرها. ومع الوقت، وجدت أن الكتابة قد تكون الوسيلة الوحيدة للاقتراب من الأسئلة التي ظلت تخشاها.
ومن هنا جاء السؤال الذي أشعل فكرة الفيلم: ماذا لو امتلكت شخصية خيالية الشجاعة للقيام بما لم تستطع هي نفسها القيام به؟
تحول السؤال إلى سيناريو، ثم إلى فيلم، ثم إلى تجربة شخصية أعادت خليل من خلالها النظر في مفاهيم العائلة والهوية والغفران. وحتى أداء الشخصية الرئيسية أصبح جزءاً من هذه المواجهة.
لكن الفيلم لا يبحث عن غفران سهل أو نهايات جاهزة. فهو ينظر إلى البشر باعتبارهم أكثر تعقيداً من أن يتم تصنيفهم ببساطة إلى ضحايا ومذنبين، أو إلى خير وشر. وربما تكمن إحدى أفكاره الأساسية في أن فهم الآخرين لا يعني بالضرورة تبرير ما حدث، وإنما محاولة رؤية الصورة كاملة.
عندما تصبح المدينة شخصية
في «ظلال بيروت»، المدينة ليست مجرد مسرح للأحداث.
بيروت حاضرة في ذاكرة البطلة كما هي حاضرة في الحاضر؛ مدينة تحمل آثار ما كان، لكنها تستمر في الحياة وإعادة تشكيل نفسها. ولهذا تبدو عودتها إليها أشبه بمواجهة مع ذاكرة شخصية وجماعية في الوقت نفسه.
تجد البطلة تالا خليل في المدينة ما يريحها وما يؤلمها، ما يبدو مألوفاً وما أصبح غريباً. ومع كل لقاء وكل ذكرى، تتغير علاقتها بالمكان، إلى أن يصبح السؤال عن بيروت سؤالاً عن هويتها هي.
ما الذي يجعل مكاناً ما وطناً؟
هل هو البيت؟ العائلة؟ اللغة؟ الذاكرة؟ أم الأشياء التي نظن أننا نسيناها ثم نكتشف أنها ما زالت تعيش في داخلنا؟
تينا غراوي.. بين القصة وصاحبتها
و وجدت المخرجة الإيرانية الأصل تينا غراوي في تجربة خليل قصة تحمل قدراً كبيراً من الصدق والتناقض والتعقيد. وقد جاءت عملية صناعة الفيلم نفسها في ظروف استثنائية، إذ جرى تصويره في بيروت وبلغاريا خلال فترة الإغلاق، في وقت كان فيه العالم بأسره يعيش تجربة العزلة والانفصال ويعيد اكتشاف معنى التواصل.
غراوي، المخرجة المرشحة لجائزة بافتا، تمتلك مسيرة متنوعة تشمل الأفلام الروائية والتلفزيون والوثائقيات. حصل فيلمها الأول «I Am Nasrine» على ترشيح لجائزة بافتا لأفضل عمل أول، وأخرجت لاحقاً أعمالاً من بينها «The Tunnel» و**«Ackley Bridge»** و**«Queen Cleopatra»** على نتفليكس. كما افتتح فيلمها «Night and Day»، المقتبس عن فرجينيا وولف، مهرجان SXSW London في 2026.
وتصف غراوي تجربتها مع «ظلال بيروت» بأنها كانت أشبه بدور القابلة التي تساعد قصة موجودة بالفعل على أن ترى النور، مؤكدة أن خليل كانت وحدها قادرة على أداء هذه الشخصية.
لكن ما جذب غراوي لم يكن الجانب الشخصي وحده، وإنما قدرة القصة على طرح سؤال أوسع: كيف يمكن للإنسان أن يعرف شخصاً أو مكاناً معرفة حقيقية بعد سنوات من الغياب؟
وفي نظرها، تأتي أهمية الفيلم أيضاً من توقيته. فبينما تعود بيروت إلى الشاشة باعتبارها مدينة حية ومليئة بالتناقضات، يظل ما يحدث في المنطقة حاضراً في خلفية العمل، من دون أن يتحول الفيلم إلى خطاب سياسي مباشر.
إنه، في جوهره، فيلم عن العودة والمصالحة، وعن إدراك أن لا شيء ولا أحد أحادي البعد.
بين الألم والرحمة
بطولة تالا خليل إلى جانب أسعد بواب وفلافيا بشارة تمنح القصة حضوراً إنسانياً يتجاوز الصراع العائلي المباشر. فالمسألة ليست فقط ماذا حدث في الماضي، وإنما كيف يعيش الإنسان مع آثار ما حدث، وكيف يمكن للذاكرة أن تشكل الحاضر حتى عندما نحاول نسيانها.
وهنا يلتقي البعد النفسي للفيلم مع بعده العاطفي. فاضطراب الوسواس القهري والصدمات النفسية لا يظهران بوصفهما مجرد عناصر في الحبكة، بل كجزء من عالم داخلي تحاول الشخصية فهمه والسيطرة عليه.
ومن خلال ذلك، يطرح «ظلال بيروت» سؤالاً بالغ الإنسانية: هل نحتاج إلى فهم الآخرين حتى نستطيع مسامحتهم؟ أم أننا نحتاج أولاً إلى أن نتعامل برحمة مع أنفسنا؟
فيلم عن بيروت.. وفيلم عن الإنسان
يشارك في إنتاج الفيلم ياريف ليرنر، وتالا خليل، وروب فان نوردن، وبيا باتاتيان، وديمو أليكساندروف، فيما تتولى بولا كريكارد مهمة المنتج التنفيذي. وتبلغ مدة العمل 90 دقيقة، بينما يعلن تصنيفه العمري في وقت لاحق.
وتتولى BUFF Studios توزيعه، في إطار اهتمامها بالأفلام المستقلة وإطلاقها في دور السينما في المملكة المتحدة والأسواق الدولية.
وربما تكمن جاذبية «ظلال بيروت» في أنه لا يحاول تقديم الوطن باعتباره مكاناً مثالياً يمكن العودة إليه واستعادة كل شيء كما كان. على العكس، تبدو العودة هنا أكثر تعقيداً: أن تصل إلى مكان تغير، وأن تكتشف أنك أنت أيضاً لم تعد الشخص نفسه الذي غادره.
وهكذا تصبح بيروت مرآة للبطلة؛ مدينة تحمل ندوبها وتواصل الحياة، تماماً كما تحمل هي ندوبها وتحاول أن تبدأ من جديد.
في النهاية، لا يبدو «ظلال بيروت» قصة عن امرأة تزور والدها المحتضر فحسب، ولا عن ابنة تحاول تسوية حسابها مع ماضيها. إنه فيلم عن تلك المسافة الغامضة بين ما حدث لنا وما نختار أن نفعله بما حدث.
عن الذاكرة حين ترفض أن تموت، وعن الوطن حين يظل يسكننا رغم المسافات، وعن المصالحة التي لا تعني بالضرورة نسيان الماضي، بل القدرة أخيراً على النظر إليه دون أن نهرب.
«ظلال بيروت» في دور السينما في المملكة المتحدة ابتداءً من 25 أيلول سبتمبر 2026.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
تالة خليل تبدأ تصوير المشاهد الأخيرة من فيلمها "Losing Lana" العالمي في بيروت
تالة خليل تدخل عالم النجومية بفيلم عالمي يروي قصة توتَر مع والدٍ لم تسمح الظروف بلقائه بعد 20 عاماً


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر