الرباط - المغرب اليوم
عقد مجلس الأمن الدولي جلسة مشاورات مغلقة خُصصت لبحث تطورات ملف الصحراء المغربية، في إطار متابعته الدورية لعمل بعثة المينورسو؛ وذلك بمشاركة عدد من كبار المسؤولين الأمميين.
وقدم خلال هذه الجلسة كل من ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام، وألكسندر إيفانكو، الممثل الخاص ورئيس بعثة المينورسو، إلى جانب عاصف خان، مدير قسم السياسات والوساطة، إحاطات ركزت على مستجدات المسار السياسي، وتقييم الوضع الميداني، وآفاق عمل البعثة الأممية خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا الاجتماع بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية ناصر بوريطة على أكثر من جبهة، ضمن جولة شملت جمهورية النمسا والمملكة المتحدة، قبل أن يحط الرحال بعاصمة الاتحاد السويسري بيرن، الجمعة، بالتوازي مع النقاش الأممي الجاري حاليا بمجلس الأمن الدولي والذي أعاد ملف الصحراء المغربية الى واجهة الاهتمام الدولي.
ويرى مراقبون أن هذا التقاطع بين المسار الأممي والتحولات في مواقف بعض الفاعلين الدوليين يضفي زخما إضافيا على النقاشات الجارية، على الرغم من استمرار طابع المشاورات المغلقة وتعدد قراءات الدول الأعضاء بشأن سبل الدفع بالعملية السياسية.
وتراهن الرباط، من خلال هذا الحراك متعدد المستويات، على توسيع دائرة الدعم الإقليمي والدولي لمبادرة الحكم الذاتي تنزيلا لمقتضيات القرار 2797، مع الحرص على مواكبة الدينامية الأممية بمقاربة تجمع بين التحرك الدبلوماسي وتثبيت المكاسب الميدانية.
وفي ظل هذا التوازي بين المسارين، تتجه الأنظار إلى مخرجات المرحلة المقبلة من جهود الأمم المتحدة، في وقت تشير فيه كل المؤشرات إلى تراجع زخم الطرح الانفصالي وتقلص هامش المناورة لدى داعميه داخل المنتظم الدولي، بما يعزز فرضية إعادة تشكيل موازين التعاطي مع هذا النزاع المفتعل على الصعيد الدولي.
أفق جديد
قال دداي بيبوط، الفاعل السياسي بالأقاليم الجنوبية، إن مشاورات مجلس الأمن المنعقدة في 23 أبريل 2026 تمثل منعطفا حاسما في ملف الصحراء المغربية، إذ تؤشر على قطيعة لا رجعة فيها مع حالة الجمود الدبلوماسي التي طبعت العقود الخمسة الماضية، على الرغم من الطابع السري الذي يميز الجلسات المغلقة.
وأضاف بيبوط، في تصريح لهسبريس، أن الإحاطات رفيعة المستوى التي قدمها كل من ستافان دي ميستورا وألكسندر إيفانكو وعاصف خان ترسم خارطة طريق واضحة لواقع جديد في تدبير النزاع.
وأبرز الفاعل السياسي بالأقاليم الجنوبية أن الاجتماع يعد افتحاصا استراتيجيا للوضعية، كما يعلن غروب الإطار القديم القائم على الاستفتاء وبزوغ مقاربة براغماتية تركز على الحلول الواقعية.
وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن من أبرز مخرجات هذه المشاورات بروز تحول تدريجي في دور الأمم المتحدة من مراقبة النزاع إلى التيسير السياسي، مستحضرا الإشارة القوية التي عكستها مشاركة المسؤول عن السياسات والوساطة إلى جانب القيادة العملياتية لبعثة المينورسو، بما يعكس تركيزا متزايدا على المرحلة الختامية للعملية السياسية بدل الاكتفاء بتتبع خروقات وقف إطلاق النار.
واسترسل المحلل السياسي في القول إن هذا التحول يستند إلى منطق القابلية للتطبيق الذي كرسه قرار مجلس الأمن رقم 2797، والذي يعزز، وفق تعبيره، مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار المرجعي الأكثر واقعية للتوصل إلى حل نهائي، متوقعا أن تركز الجلسات المقبلة على تفعيل مخرجات المراجعة الاستراتيجية لعام 2025 وتحويل البعثة الأممية إلى وسيط ديناميكي لتنزيل الحل.
كما استحضر المتحدث التحديات الأمنية والإنسانية المتزايدة في المنطقة، خاصة ما يرتبط بغياب المساءلة في مخيمات تندوف، لافتا إلى أن تطورات ميدانية سابقة، إلى جانب استمرار رفض إجراء إحصاء للسكان، تسهم في ترسيخ قناعة داخل مجلس الأمن بأن الوضع بات يشكل تهديدا حقيقيا للاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل.
وبخصوص ولاية بعثة المينورسو، كشف بيبوط أن المشاورات، على الرغم من طابعها غير الملزم قانونيا، تتجه نحو إعادة هيكلة وظيفية عميقة، تشمل تعزيز المكونين العسكري والسياسي، في أفق دعم الاستقرار الإقليمي ومواكبة تنزيل الحكم الذاتي، مع مؤشرات على أن تمديد الولاية لن يستمر دون تحقيق نتائج سياسية ملموسة.
واسترسل الباحث في خبايا النزاع في القول إن هذا الزخم السياسي والدبلوماسي يعكس تحولا في موازين القوى الجيوسياسية، مدعوما بتقارب مواقف قوى كبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة؛ ما يساهم في توجيه المنتظم الدولي نحو تبني مقاربة الحكم الذاتي، بالتوازي مع تراجع الدعم التقليدي للأطروحة الانفصالية، خاصة بعد سحب عدد من دول أمريكا اللاتينية اعترافها بجبهة "البوليساريو".
وخلص دداي بيبوط إلى أن اجتماع 23 أبريل الجاري يؤشر على الدخول في مرحلة ما قبل التنفيذ، حيث لم يعد النقاش الأممي منصبا على طبيعة الحل؛ بل على آليات مأسسته ومواكبته. وشدد على أن هذا التحول يعزز موقع الصحراء المغربية كرافعة محتملة للاستقرار الإقليمي والتكامل الاقتصادي، ويجعل من المقاربة المغربية خيارا استراتيجيا داخل أجندة مجلس الأمن الدولي.
نهاية الجمود
من جانبه قال سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، إن برمجة مجلس الأمن الدولي لملف الصحراء المغربية ضمن دورة أبريل تندرج في إطار الالتزام بتنفيذ مقتضيات القرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي نص على تمديد ولاية بعثة المينورسو لسنة إضافية، مع تقديم إحاطات دورية حول تطورات المسار السياسي والوضع الميداني وآفاق عمل البعثة.
ولفت بوشاكوك، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن "هذا الاجتماع الأممي يأتي في سياق تزايد الدعم الدولي لخيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في مقابل تفاعل إيجابي للمملكة مع المنتظم الدولي، انسجاما مع الشرعية الدولية"، مشددا على أن تحيين المبادرة المغربية، التي طُرحت منذ 2007، تجسد توجها عمليا نحو هندسة حل واقعي ومستدام للنزاع.
وأوضح الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال أن خلاصات اللقاءات الدولية، سواء في مدريد أو واشنطن، تؤكد انخراط المغرب في مفاوضات جدية لتأطير الحل النهائي، على عكس أطراف أخرى؛ وفي مقدمتها الجزائر وجبهة "البوليساريو"، التي لا تزال رهينة خطاب الجمود وعرقلة التحولات الجيو-استراتيجية التي باتت تعزز موقع الطرح المغربي، المدعوم أيضا بإشارات من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة.
وعن مخرجات اجتماع مجلس الأمن، أكد بوشاكوك أن المجلس سيوجه إشارات واضحة نحو ضرورة التعجيل بالانخراط الفعلي في تنزيل الحكم الذاتي، محذرا من تفويت ما وصفها ب "فرصة تحظى بشبه إجماع دولي"، ومعتبرا أن المنتظم الدولي بات أكثر وعيا بضرورة الانتقال ببعثة المينورسو من دورها التقليدي إلى فاعل أكثر نجاعة في تفعيل الحل السياسي.
وفي تعليقه على رهان المملكة بخصوص الجولة الدبلوماسية لوزير الخارجية، أكد المتحدث عينه أن هذه التحركات التي دشنها ناصر بوريطة تهدف إلى توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، واختراق ما تبقى من مواقف تقليدية مناوئة للوحدة الترابية، مشيرا إلى أن الاعترافات الأخيرة من دول إفريقية، مثل كينيا والنيجر ومالي، تعكس تحولا متزايدا في موازين الدعم داخل القارة.
وفي هذا السياق، سجل سعيد بوشاكوك أن هذه الدينامية الدبلوماسية تسير في اتجاه بناء كتلة إفريقية داعمة للموقف المغربي داخل المؤسسات القارية، بما يعزز موقع الرباط في أية توازنات إقليمية مقبلة، ويضع الأطراف المناوئة أمام عزلة متزايدة.
وأنهى حديثه لهسبريس بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تمثل لحظة مفصلية في مسار النزاع، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع التحولات الجيوسياسية، بما يجعل من خيار الحكم الذاتي الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية.
قد يهمك أيضاً :


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر