بعد أربع سنوات على دخول قانون تقنين القنب الهندي حيز التنفيذ في المغرب، تبدو الحقول الممتدة في نواحي إقليم تاونات وقد انتقلت من زراعة كانت لعقود مرتبطة بالسرية والاقتصاد غير النظامي إلى نشاط قانوني تؤطره التراخيص التي تقدمها الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي في المغرب، ما فتح الباب أمام المزارعين والتعاونيات لإبرام عقود مع شركات تحويلية مرخصة من الدولة.
غير أن الوعود التي رافقت هذا التحول، خصوصاً ما يتعلق بتحسين أوضاع المزارعين ودمجهم في اقتصاد منظم، تصطدم اليوم بشكاوى متزايدة وفق ما توضح وثيقة إنذارية موقعة من 4 رؤساء تعاونيات، يشتكون فيها من تأخر المستحقات، ما فاقم الخلافات بين التعاونيات والشركات.
ويؤكد فلاحون متمركزون في شمال شرق إقليم تاونات شمالي المغرب، أن الشركات تشتري المحاصيل بواقع 40 درهماً للكيلوغرام الواحد (4 دولارات)، لكن بوتيرة بطيئة ووفق شروط مرهقة، أبرزها تكاليف تجفيف المحاصيل، في وقت تبرر فيه الشركات بدورها هذا الارتباك بإكراهات السوق وضعف الطلب وتعقيدات التصدير، في مشهد أظهر التحديات التي تواجه أول تجربة من نوعها لتقنين زراعة القنب الهندي في المغرب.
وخلال جولة ميدانية بين جبال منطقة غفساي (300 كلم شرق الرباط)، جرى لقاء مع مزارعين منخرطين في التعاونيات المرخصة، متحدثين عن واقع التجربة بعد سنوات من انطلاقها.
وفي هذا الصدد، يقول يوسف بن شريف، رئيس تعاونية "الطواهر" لزراعة وإنتاج القنب الهندي في بلدة تبودة: "مع انطلاق هذا المشروع رحبنا به بشكل كبير، كما شجعنا الفلاحين على الانخراط فيه، وفعلاً تلقينا المشروع بارتياح كبير في هذه المنطقة، وكنا نأمل أن يساهم في تحسين دخل الفلاحين، إضافة إلى إنهاء المتابعات القضائية والتخفيف من الإكراهات القائمة في السابق. حالياً، نحن نشتغل في إطار تعاونية تضم حوالي 40 فلاحاً منخرطاً، وقد أبرمنا عقداً مع شركة تحويلية كبيرة بمنطقتنا تُدعى "كانفيتال – CannVital"، على أساس أن تكون نسب التسليم في إطار عقد محدد".
"غير أن الواقع كشف عن مجموعة من الشروط التي فُرضت علينا"، بحسب يوسف، "من بينها تسلم نسبة 10% فقط من قيمة المحصول عند التسليم، وهو ما لم يتحقق"، مضيفاً: "إلى جانب شروط أخرى تعجيزية، خاصة ما يتعلق بالمساطر والمعايير المرتبطة بالأرض والإنتاج، لكننا تحملنا ذلك وقمنا بزراعة النبتة ورعايتها إلى أن سلمنا المحاصيل في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2025، لكن لحدود اليوم لم نتسلم مستحقاتنا من الشركة التحويلية التي تشتري منا، رغم أن العقود المبرمة تقضي بتسليم 90% من المستحقات بعد 120 يوماً، ما جعلنا عاجزين عن إعادة زراعة النبتة لهذا الموسم".
وأوضح رئيس التعاونية قائلاً: "إن تأخر الشركات علينا أدخلنا في مشاكل مع الفلاحين المنتمين للتعاونية، الذين بدورهم قاموا ببيع مواشيهم من أجل توفير تكاليف زراعة النبتة"، كما فاقم هذا التأخر مشاكلهم مع الشركات المزودة بالأسمدة ومستلزمات زراعة "القنب الهندي".
وأضاف: "إن هذه المشاكل تهدد مشروع تقنين زراعة القنب الهندي بالفشل، لاسيما بعد فسخ العقود من طرف الشركات التحويلية مع 11 تعاونية في منطقتنا".
وغير بعيد عن قرية تبودة، وفي بلدة سيدي المخفي، جرى لقاء مع المزارع المغربي عبد الله القاسمي، الذي كشف في حديثه أنهم استبشروا خيراً في البداية، واعتبروا أن المشروع سيفتح أمام المنطقة مساراً تنموياً جديداً، وسيمكن الفلاحين من ممارسة نشاطهم بشكل قانوني بعد رفع المتابعات القضائية عن عدد من المزارعين الذين كانوا يمارسون هذا النشاط في ظروف غير قانونية، غير أن الواقع - بحسب تعبيره - لم يحقق تطلعات الساكنة، بعدما اصطدم المشروع بمشاكل كبيرة في التسويق.
وأكد أن عدداً كبيراً من الفلاحين انخرطوا في التعاونيات وأنتجوا المحاصيل، لكن بعد موسمين من العمل تبين أن سلسلة التسويق "ضعيفة أو شبه منعدمة"، موضحاً أن البلد لا يتوفر على صناعات قادرة على استيعاب كامل الإنتاج، ما جعل الاعتماد أساساً على التصدير.
وحذر المتحدث من أن استمرار الأزمة قد يدفع عدداً من الفلاحين إلى الانسحاب من المشروع والعودة إلى السوق السوداء، معتبراً أن غياب حلول حقيقية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع، خصوصاً وسط ضعف البدائل وفرص الشغل.
من جهته، قال عثمان عبدالسلام، رئيس تعاونية "مطيمرة"، في حديثه إن المزارعين سلموا محاصيلهم منذ أشهر، غير أنهم لم يتوصلوا بأي مستحقات مالية، مؤكداً أن التعاونية التي يرأسها لا تزال تُطالب بنحو 750 ألف درهم مغربي (حوالي 81 ألف دولار) لفائدة المنخرطين فيها.
وأوضح أن المزارعين يعيشون أوضاعاً صعبة بسبب تراكم الديون، مؤكداً أن عدداً من الفلاحين يعيشون حالة احتقان بسبب الأزمة، مشيراً إلى أن بعضهم أصبح يفكر في العودة إلى الأنشطة غير القانونية بسبب غياب بدائل اقتصادية حقيقية في المنطقة.
من جانبه، أوضح عبدالرحيم المسياح، الممثل القانوني ومسير الشركة التي تجمعها عقود تجارية مع المزارعين، أن الشركة تشتغل في إطار القانون 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، وتحت إشراف الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، موضحاً أن دور الشركة يتمثل في تجميع المحصول وتخزينه ومعالجته الأولية وفق المعايير التقنية المعتمدة في الأسواق المنظمة من أجل تجهيزه للمختبرات الدوائية والاستعمالات الطبية.
وأوضح المسياح في رده على أسئلة أن القطاع لا يزال في مرحلته الأولى، معتبراً أن الانتقال من الزراعة التقليدية إلى منظومة قانونية موجهة للتصدير يطرح تحديات "موضوعية"، من بينها إشكالية الجودة، إذ إن بعض الكميات المسلمة من التعاونيات - بحسب قوله - احتاجت إلى عمليات فرز ومعالجة إضافية حتى تستجيب لمعايير التصدير الدولية.
وأضاف أن السوق العالمية للقنب الهندي الصناعي والطبي تعرف منافسة قوية، في ظل استفادة دول أخرى من تجربة أقدم وكلفة إنتاج أقل وشبكات توزيع مستقرة مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا والبرتغال، مشيراً إلى أن تذبذب الأسعار الدولية أثر بدوره على آجال التسويق ووتيرة التدبير، معتبراً أن هذه الإكراهات تبقى جزءاً من "مرحلة تعلم طبيعية" يمر منها أي قطاع ناشئ، مؤكداً أن التنسيق متواصل بين الوكالة الوطنية والتعاونيات والشركات المرخصة من أجل تحسين التكوين ومسارات ما بعد الحصاد وبناء قنوات تصدير مستقرة.
وفي سياق متصل، أشار متعاملون مع الشركات، التُقي بمزارعين في حقول متاخمة لبلدة تافرانت، إلى أن المزارعين يلوحون بورقة العودة إلى السوق السوداء بسبب تعثر أداء المستحقات سنة بعد سنة، وسط التفاوت الكبير بين أسعار البيع في السوق غير النظامية، التي تصل إلى 150 درهماً للكيلوغرام (15 دولاراً)، مقابل 40 أو 35 درهماً للكيلوغرام (3.5 دولار) في السوق القانونية، حسب ما تنص عليه عقود الشراء التي عقود الشراء التي تم الحصول على نسخة منها، إذ توضح الوثيقة مدة التعامل لـ10 سنوات وإلى غاية عام 2035، قبل فسخها مع عشرات المزارعين.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
تحذيرات مغربية من مخاطر حبوب الإجهاض المتداولة في السوق السوداء
قطاع القنب الهندي القانوني في المغرب يسجل أرقامًا قياسية خلال سنة 2024
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر