تدفع الحكومة الألمانية بقوة نحو توسيع شراكاتها الطاقية مع المغرب، في خطوة تعيد إلى الواجهة خططا قديمة لاستيراد ما يُعرف بـ”كهرباء الصحراء” من شمال إفريقيا إلى أوروبا.
وبينما يسوق المشروع رسميا في إطار دعم التحول الطاقي، تكشف المعطيات أن برلين تسعى في العمق إلى تقليص هشاشتها الطاقية المتزايدة، خصوصا بعد القطيعة مع الغاز الروسي والتحول إلى الاعتماد المكثف على الغاز الطبيعي المسال الأميركي.
وأكد تقرير لمنصة “جيرمان قورين بوليسي”، أن مؤسسة Stiftung Wissenschaft und Politik، الممولة من المستشارية الألمانية، كانت قد حذرت منذ 2021 من تنامي ما سمّته “جيوسياسة الكهرباء”، في ظل مشاريع لربط مناطق خارج الاتحاد الأوروبي بالشبكة الأوروبية عبر كابلات بحرية ضخمة تمتد حتى شمال إفريقيا.
ولفتت إلى أن عددا من الدول المعنية تبدي مخاوف من اختلالات “نيوكولونيالية” قد تجعلها في موقع المزوّد التابع للطاقة دون عوائد تنموية كافية.
وأشار التقرير الألماني بتجربة مشروع Desertec Foundation الذي تم إطلاقه عام 2009 بمشاركة شركات ألمانية كبرى مثل E.ON وRWE وMunich Re، بهدف تزويد أوروبا بالطاقة الشمسية والريحية من صحارى شمال إفريقيا باستثمارات قُدّرت آنذاك بـ400 مليار يورو، غير أن المشروع تعثر بعد سنوات قليلة بسبب انسحابات شركات رئيسية واعتراضات في دول المنطقة التي عانت بدورها من خصاص كهربائي وخشيت من تكريس تبعية جديدة.
اليوم، يوضح “جيرمان فورين بوليسي”، تعود الفكرة بصيغة محدثة ترتكز على إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب وتصديره إلى ألمانيا، مدعوما بأموال من الميزانية الفيدرالية عبر آليات تمويل تابعة لوزارة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وبحسب التقرير، يخطط المغرب لرفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 50% من مزيجه الكهربائي بحلول 2030، مع إنتاج 14 تيراواط/ساعة من الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، 10 منها موجهة للتصدير.
وترى الدوائر الاقتصادية الألمانية في هذه المشاريع فرصا واسعة لتعزيز حضور الشركات الألمانية في مجالات الشبكات الكهربائية، أنظمة التخزين، والتجهيزات الصناعية.
وقد موّلت برلين مشاريع طاقة شمسية حرارية في المغرب بنحو 830 مليون يورو عبر بنك التنمية الألماني، ضمن استثمارات إجمالية قاربت ملياري يورو، كما دعمت مشاريع للنجاعة الطاقية وإنتاج الهيدروجين الأخضر، من بينها استثمار بقيمة 30 مليون يورو في منشأة تابعة لمجموعة OCP بالجرف.
التقرير سلّط الضوء أيضا على مشروع “سيلا أتلانتيك”، الذي يهدف إلى نقل 26 تيراواط/ساعة سنويا من الكهرباء المتجددة من المغرب إلى ألمانيا، أي نحو 5% من استهلاكها الكهربائي. ويقترح المشروع مدّ كابلين بحريين بطول إجمالي يبلغ 4800 كيلومتر بمحاذاة سواحل أوروبا الغربية وصولا إلى شمال ألمانيا.
وتُقدّر كلفة المشروع الإجمالية بما بين 30 و40 مليار يورو، مع دعم مبدئي من شركات مثل Uniper وOctopus Energy، بينما أبدت Deutsche Bahn اهتماما باستخدام الكهرباء المغربية لتشغيل شبكتها.
وخلص “جيرمان فورين بوليسي” إلى أن المشروع، وإن قدّم باعتباره خطوة في مسار الانتقال الطاقي، يحمل أبعادا استراتيجية واضحة، إذ تسعى برلين إلى تنويع مصادرها الطاقية وتقليص تبعيتها للغاز الأميركي، عبر بناء شراكات طويلة الأمد مع دول شمال إفريقيا، وعلى رأسها المغرب.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
الحكومة الألمانية تتبنى الحذر بعد قمة ترامب–بوتين في ألاسكا وتؤكد التنسيق مع الحلفاء
صادرات الغاز الروسي تتراجع في 2022وصادرات النفط ترتفع
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر