الطفولة الليبرالية «أتلانتيك» و«واشنطن بوست»

الطفولة الليبرالية: «أتلانتيك» و«واشنطن بوست»!

المغرب اليوم -

الطفولة الليبرالية «أتلانتيك» و«واشنطن بوست»

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

عرف عالم الفكر كثيراً من التعبيرات، مثل «الطفولة اليسارية» و«الطفولة الثورية»، التي تشير دائماً إلى حالة من التهافت الشديد الذي يأتي إلى أفكار نبيلة نتيجة التبسيط الشديد من قبل أنصار يأخذون الفكرة من حوافها، ويفقدون عمق شمولها وما تتيحه للتفكير في الشأن الإنساني بأبعاده المتغيرة. «الليبرالية» واحدة من أهم المدارس الفكرية العالمية التي أثرت في مسار البشرية انطلاقاً من حرية الفرد لتنظيم المجتمعات والدول، وانطبق عليها ما جرى للأخريات من تطبيقات تراوحت درجات نجاحها وفشلها أيضاً؛ لم تكن مستثناة من هذه الحالة الطفولية، التي تبدت خلال الفترات الأخيرة من تبادل السلطة في الولايات المتحدة، حيث كان الانتقال من الفلسفة القومية للأميركيين البيض للرئيس دونالد ترمب، إلى نوع من الليبرالية لإدارة الرئيس جوزيف بايدن، التي يتنازع نقاءها تيارُ التقدميين على اليسار، الذين يريدون تطبيقها تطبيقاً حرفياً، خاصة خارج أميركا، وتيار آخر على اليمين، أقل صخباً، يرى أنه لا يزال هناك كثير على الولايات المتحدة في داخلها لكي تصل إلى المثال الليبرالي الأصيل الذي يبعد المسافة بين الدولة والمواطن. التنازع بين التيارين قديم، قدم الثورة الأميركية وتاريخها الليبرالي والديمقراطي، بعد ذلك كان عليه أن يمر بنتائج الثورة الفرنسية والخوف من تسلل مبادئها للحرية والإخاء والمساواة إلى الساحل الأميركي، إلى الحرب الأهلية الأميركية (1860 - 1865)، حتى إصدار قانون الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي. الرئيس بايدن كما هي العادة لممثل الحزب الديمقراطي حاول الإمساك للعصا من منتصفها، فتكون النتيجة هي تلك الحالة من «الطفولة الليبرالية» التي تحاول تقسيم العالم إلى ديمقراطيين وسلطويين؛ بينما تتجاهل في نفس الوقت التعامل مع القضايا الجوهرية للعنصرية و«الجائحة» في الولايات المتحدة. التقسيم التعسفي في الخارج قاد إلى أزمة أوكرانيا الدامية حينما شعر كل من الصين وروسيا بضرورة مراجعة نظام دولي لا يهتم كثيراً بالظروف الداخلية لبلدان العالم وتطورها الاقتصادي والاجتماعي التاريخي. وفي الداخل جرى التراجع في شعبية الرئيس وحزبه لصالح الحزب الجمهوري، بينما تجد أميركا نفسها في مواجهة هي الأهم والأكثر خطورة منذ انتهاء الحرب الباردة.
النتيجة ليست إضافة معامل جديد للانقسام الأميركي «الديمقراطي» و«الليبرالي» الذي لم يجد مجالاً لفحص فشل تطبيقات الليبرالية والديمقراطية رغم «العولمة» التي قادتها أميركا طوال العقود الثلاثة الماضية حتى في أوكرانيا التي لم تفييدها كثيراً ديمقراطيتها في استيعاب الانقسام الإثني داخلها، وتقديم نموذج للمواطنة التي تشمل جميع المواطنين بغض النظر عن لغتهم الروسية أو الأوكرانية. ما نحن بصدده هو إضافة حالة من «الطفولة الليبرالية» إلى الجدل الأميركي في التعامل مع أمور بالغة التعقيد نتيجة التبسيط والكسل في متابعة ما يجري في العالم بدقة، سواء أكان هذا العالم من الخصوم أم الأصدقاء. وآخر هذه التطبيقات في الجدل السياسي ما حدث من اشتباك بين صحيفتي «الواشنطن بوست» و«أتلانتيك» الأميركيتين حول «الشرعية الليبرالية» للحوار الغني الذي أجرته الأخيرة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. لم يعنِ كثيراً بالنسبة لكلا المؤسستين - وكلاهما ركن من أركان المؤسسة السياسية والفكرية الأميركي - أن التطلع الفكري حول المملكة لا بد له أن يدور حول «الاختراق» الذي حققته خلال السنوات القليلة الماضية، والذي حقق ثورة إصلاحية كبرى، شملت الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والمجتمع السعودي في أبعاده المختلفة وصلت بشجاعة كبيرة إلى علاقة الدين بالدولة، والموضوعات والقضايا كافة التي كانت «حرجة» في الماضي.
ما قدّمته الصحيفتان في اشتباكهما هو حالة من التجاهل التام لعدد من الأمور الجوهرية؛ أولها «الصورة الذائعة» عن المملكة قبل سنوات قصيرة، عندما كانت الصيغة المرسومة هي المحافظة والتشدد والانغلاق عن العالم، والنساء غير مسموح لهن بقيادة السيارات. وثانيها كيف جرى التطور داخل المملكة في كامل المعمور السعودي ومده على كامل خطاه بين الخليج العربي والبحر الأحمر. وجرى ذلك من خلال عملية استحضار واستيعاب أعلى درجات التقدم التكنولوجي التي أتت إلى الدنيا من خلال ثورات صناعية متتابعة خلال القرنين الماضيين. وأكثر من ذلك، الإنضاج السريع للدولة الوطنية السعودية منذ تأسيسها الأول حتى تأسيسها الثالث، بكل ما يعنيه ذلك من إرساء لمبدأ «المواطنة» كأساس للدولة. وثالثها المقارنة بين المسار السعودي، والمسارات المتعددة التي جرت في الدول الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، وفي الوقت الحالي الذي شهد تنازع المحافظين الجدد (جورج بوش الابن)، والليبراليين الجدد (باراك أوباما)، والقوميين المحافظين البيض (دونالد ترمب) حتى وصلنا إلى الليبراليين وكفى (جوزيف بايدن)، وترك للجمهور الأميركي تحديد ما تعنيه. ورابعها أن الاشتباك بين «أتلانتيك» و«الواشنطن بوست» هو في حقيقته محاولة لتقنين وتعريف ما هي الليبرالية وما تشكله «المعرفة» بالحقيقة من أهمية لها. وخامسها أن أياً من المشاركين في الاشتباك لم يحضر التجربة الأميركية، لا في التعامل مع نفسها، ولا في التعامل مع العالم الخارجي.
التجربة الأميركية في التطبيق هي في حقيقتها غنية، ولا يمكن الأخذ بنجاحها فقط الذي جرى في ألمانيا واليابان في أعقاب حرب عالمية، دُمر كلاهما فيها؛ ورغم ذلك، فإن الشقة بعيدة بين الليبرالية في البلدين، وتلك التي يتحدث عنها الأميركيون. ولكن المسألة لا تعنينا الآن، وإنما التجارب الأخرى التي قامت في أفغانستان والعراق، التي فشلت فيها عمليات الهندسة السياسية لإنتاج مجتمعات، وفقاً للمقاسات الليبرالية الأميركية، التي تتجاهل الواقع وما طرأ ويطرأ عليه من تطورات. المدهش هو أنه بعد «الخروج الأميركي» من أفغانستان وإهدائها في أطباق من فضة إلى «طالبان» مرة أخرى، لم يتساءل أحد عما إذا كان يعبر عن فشل فكري لهندسة دولة، وبالطبع لم تكن هناك إجابة، ولم يجد الرئيس بايدن معضلة في عقد مؤتمر عالمي للدول الديمقراطية، يقسم العالم أكثر مما هو مقسم، في وقت لا تزال «الجائحة» فيه قائمة. وبنفس الطريقة، فإن المراجعة الأميركية لما جرى في العراق من دستور لا يحل معضلة، ومحاصصة لا تشكل وزارة ولا تأتي برئيس، وفي العموم نظام سياسي لا يتمتع بالكفاءة والقدرة في إدارة الدولة؛ كلها لا تفضح القيادة الحالية في العراق، بقدر ما تفضح التناول الأميركي لقضية الحكم في بلدان مختلفة. غياب الواقع عن التفكير الأميركي، في الماضي والحاضر، ممثلاً في الجدل السياسي لصحيفتين ومؤسستين في واشنطن، معبرتين عن كثيرين في الساحل الشرقي للولايات المتحدة، يعطي كثيراً من اليقين المصطنع عن حالة العالم، ويجعل العالم الأميركي ينفصل عن العالم كله. المشكلة، وربما الأزمة في ذلك، أنها لا تخص أميركا وحدها بانقسامها ووحدتها، وإنما هي تأتي إلى العالم بقدر غير قليل من الفوضى داخل الدول، وما يكفي من التنازع والصراع داخل النظام الدولي كله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطفولة الليبرالية «أتلانتيك» و«واشنطن بوست» الطفولة الليبرالية «أتلانتيك» و«واشنطن بوست»



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير

GMT 10:34 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانية تُقيم دعوى ضد تلميذ زعم ممارسة الجنس معها

GMT 18:07 2018 الثلاثاء ,08 أيار / مايو

‏فضل صلاة النافلة

GMT 11:42 2017 الأربعاء ,17 أيار / مايو

مرسيدس C63 كوبيه معدلة بقوة 603 أحصنة من Chrometec

GMT 02:32 2024 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

السعودي الدهامي إلى كأس العالم لقفز الحواجز 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib