من يوقف النزيف

من يوقف النزيف؟

المغرب اليوم -

من يوقف النزيف

توفيق بوعشرين

غطت الانتخابات الجماعية وزوابعها على الدخول المدرسي هذا العام. الأسبوع المقبل تفتح المدارس أبوابها لاستقبال رجال ونساء المستقبل.. ملايين التلاميذ الذين سيحملون حقائبهم ويتوجهون إلى فصول الدراسة هم الأجيال التي ستسير المغرب لمدة 40 أو 50 سنة مقبلة، وهؤلاء هم الذين سيشتغلون في إداراته أو مقاولاته أو مهنه الحرة وغير الحرة، ومنهم طبعا من سيجلس قليلا أو كثيرا على مقاعد البطالة في غرفة انتظار قاسية.

ليست لدينا أوهام بخصوص إصلاح استراتيجي للمدرسة العمومية التي انهارت منذ زمن ليس بقريب. لا أحد ينتظر معجزات من مخطط إصلاح التعليم الذي وضعه المجلس الأعلى للتعليم برئاسة المستشار عمر عزيمان، والذي سيدخل حيّز التنفيذ الجزئي هذا العام… لقد جربنا ميثاق المستشار مزيان بلفقيه وفشل بعد عشر سنوات وضياع مليارات الدراهم، وجربنا مخطط خشيشن الاستعجالي الذي لم يخرج تعليمنا من قسم المستعجلات رغم أنه كلّف 42 مليار درهم، وجربنا قبل هذا برامج ومخططات كلها انتهت إلى ما نراه اليوم من انهيار لنظام التعليم والتكوين.

التعليم مهنة صعبة وحساسة وخطيرة في جميع دول العالم، لأنها جوهر صناعة المستقبل، ولأنها في قلب تحولات سريعة لا تتوقف في المعرفة والمنهج والسوق والإنتاج والبيئة ووسائل الاتصال… وفي دول كثيرة متقدمة هناك حوارات وطنية مستمرة حول مهنة التدريس، وتركيبة المدرسة، ومضمون المقررات، ووضع هيئة التدريس، وتكوينها المستمر، ووظيفة مجالس الآباء ودور التكنولوجيات الحديثة، وطبيعة البيئة داخل المؤسسة التعليمية وخارجها، أما الميزانيات والأموال المرصودة لبناء الأجيال فهذا مما يقع حوله شبه إجماع. الذي يعتبر أن الأموال التي تصرف على التعليم باهظة، عليه أن يطل على تكلفة الجهل.. هذه هي القاعدة.

للأسف الشديد، الإدارة المغربية التي لا تستطيع أن تنجح في الفلاحة والصناعة والتصدير والسياحة ومد الطرق والقناطر وجمع النفايات وزراعة الأشجار… هل تقدر على صناعة عقول المستقبل؟

الجواب عملي وليس نظريا، كل مغربي اليوم قادر على دفع تكاليف دراسة أبنائه في القطاع الخاص أو في مؤسسات البعثات الأجنبية أو في الخارج لا يتردد لحظة واحدة في إدارة ظهره للمدرسة العمومية التي لم يعد يقصدها إلا أبناء الفقراء أو من هم في حكم الفقراء.

هل ننتظر عقودا وعقودا لإصلاح الإدارة لكي تتكفل هذه الأخيرة بإصلاح المدرسة والمعلم والمدير والمقرر والمناهج ومسار التعليم؟ طبعا لا، الأمر مستعجل، والإصلاح الذي يطلبه الفقراء والطبقات الوسطى الآن هو الإصلاح البسيط.. الإصلاح الأولي الذي يجعل من المدرسة مكانا لائقا لتعلم الأطفال القراءة والكتابة والحساب بلغتين أو ثلاث لغات، أما القضايا المعقدة للتعليم في العصر الحديث فهذه قصة أخرى.

ما هي مشاكل المدرسة العمومية اليوم؟ المشكل الأول هو التسيب وغياب الانضباط، وضعف قيمة المدرسة العمومية عند الدولة والوزارة والمدير والمعلم والتلميذ والآباء والنقابات… كل هؤلاء لا يقومون بأدوارهم، بل يتواطؤون على تخريب العملية التعليمية، عن قصد أو دونه، بسبب الكسل واللامبالاة والتسيب وعدم تحمل المسؤولية، وفوق هذا مقاومة الإصلاح، ورفض الانضباط لبرامج لإعادة تأهيل المدارس…

مدير المدرسة لا يقوم بواجب مراقبة جودة التعليم وانضباط الأساتذة والتلاميذ. المعلم لا يبذل مجهودا في إعداد الدرس ومراقبة التلاميذ وبذل مجهود للارتقاء بمستوياتهم. الآباء لا يقومون بدورهم في مراقبة أداء أطفالهم ومستوى انضباطهم عندما يخرجون من المنزل إلى المدرسة. النقابة لا تمسك العصا من الوسط، وتتصرف على طريقة قبائل الجاهلية، فتنصر أتباعها ظالمين ومظلومين، وإعلان الإضرابات العشوائية عندها أسهل من شرب الماء. الأكاديمية لا تقوم بدورها في مراقبة المؤسسات التعليمية وتوفير الإمكانات لها، وتشجيع الكفاءات، وعقاب الكسالى والفاشلين. نظام لا يوجد فيه جزاء ولا عقاب مآله الفشل لا محالة… كيف سيشتغل نظام هذا حاله يعيش في فوضى مرتبة جيدا لكي تبقى ولكي يستفيد منها الجميع باستثناء مستقبل التلميذ!

الإصلاح الاستراتيجي للتعليم غير مطروح اليوم على طاولة أحد، لكن وقف النزيف ممكن، إليكم هذه الشهادة من مدير مدرسة خاصة سألته أمس وأنا أخط هذه الكلمات عن تصوره لإصلاح التعليم كواحد في الميدان، فماذا قال؟ «أنا أدير مدرسة خاصة منذ سنوات طويلة، وهي مدرسة ناجحة ويقبل عليها الناس لأنهم يثقون في عملها، ويرون مستوى أبنائهم عندما يخرجون منها رغم وجودها في حي شعبي، ورغم أن الثمن الذي يدفعه الآباء معقول. يجب أن تعرف أن كلفة تدريس التلميذ في المدرسة التي أديرها أقل بكثير من الكلفة التي تدفعها الدولة عن كل تلميذ في المدرسة العمومية دون أن تحصل عائلته على جودة التعليم نفسه الذي نقدمه، مع العلم أن آخر أجر في مدرستنا هو 3000 درهم، وهو أجر سائق السيارة، أما الأساتذة فإنهم متفرغون تماما، ويحصلون على أجور جيدة، وفوق هذا تربح إدارة المدرسة المال كل سنة لأنها مقاولة». رجعت أساله: «وما هي الوصفة التي تجعل أسرة تدفع أقل ويحصل أبناؤها على مستوى دراسي أكبر، وفوق هذا تربح المؤسسة من وراء هذه المهنة؟»، فرد: «الجدية والمسؤولية وإعطاء قيمة للمدرسة، وتشجيع المعلم الجيد وعقاب السيئ، ونظام الحكامة والتدبير. لا أسرار في الموضوع.. الدولة تصرف 52 مليار درهم على التلاميذ والطلبة كل سنة، لكنها تصب كل هذا المال في نظام تعليمي فاسد ومختل وعديم الكفاءة. وظيفة مديري المدارس والإعدادات والثانويات يجب أن تتغير، ويجب أن يصبح لدينا مديرون متخصصون في التسيير والإدارة والمراقبة والتحفيز، وعلى الوزارة أن تتعاقد معهم على دفتر تحملات واضح تعطيه الإمكانات المادية والسلطة على رجال التعليم بالعصا والجزرة، وتطالبه بجودة في التعليم بمواصفات دقيقة تحددها هيئة مستقلة للامتحانات والتقويم». انتهى الكلام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يوقف النزيف من يوقف النزيف



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib