خطورة ترامب على أوروبا

خطورة ترامب على أوروبا

المغرب اليوم -

خطورة ترامب على أوروبا

خيرالله خيرالله
بقلم : خيرالله خيرالله

ترامب يمارس لعبة في غاية الخطورة بحجة أنّه يريد وقف الحرب الأوكرانيّة لا يهمّه ما الذي يحلّ بأوكرانيا وشعبها الذي صمد منذ ما يزيد على ثلاث سنوات في وجه الجيش الروسي.

كشف تسجيل لمكالمة هاتفية بين ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس دونالد ترامب، وأحد كبار مساعدي فلاديمير بوتين، طبيعة العلاقة التي تربط  بين الإدارة الأميركيّة الحالية والرئيس الروسي. تظهر المكالمة التي نشرت نصها وسائل إعلام أميركية وجود تواطؤ بين الإدارة والقيادة الروسية. يشير ذلك إلى تفاهم بينهما على حساب أوكرانيا. يفسّر هذا التطور، الذي يترافق مع فضائح داخلية مرتبطة بالفساد في أوكرانيا، كون ما طرحه الرئيس دونالد ترامب على أوكرانيا يشكّل نوعا من الاستسلام ستكون له انعكاسات على القارة الأوربيّة كلّها.

كيف ستردّ أوروبا على هذا التحدي، وهو الأول من نوعه منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية في العام 1945؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي يفرض نفسه في ضوء الانقلاب الأميركي الذي فهمت ألمانيا معناه وبدأت تستعد ليوم سيتوجب عليها فيه الدفاع عن نفسها في مواجهة آلة الحرب الروسيّة. باتت هذه الآلة، على الرغم من تخلفها، تهدد دولا مثل بولندا على سبيل المثال وليس الحصر.

لا يمكن لدولة مثل ألمانيا تجاهل أنّ أوروبا الشرقية بدأت تتحرّر من الهيمنة السوفياتية مع سقوط جدار برلين في تشرين الثاني – نوفمبر 1989. هل يريد ترامب، عبر الضغوط التي يمارسها على أوكرانيا تحويل هذا البلد المهمّ جسرا للعودة الروسية، بديلا من العودة السوفياتيّة، إلى الهيمنة على دول أوروبية معيّنة؟ بين هذه الدول بولندا ودول البلطيق (لاتفيا واستونيا وليتوانيا) التي كانت بين أول الدول التي انفكت عن الإتحاد السوفياتي قبل الإعلان رسميا عن زواله بداية العام 1992؟

بدل أن تكون أوكرانيا التي صمدت في وجه أطماع بوتين درعا أوروبيا في مواجهة روسيا يبدو أن ترامب يسعى إلى جعلها جسرا يستخدم في تهديد أوروبا

يمارس دونالد ترامب لعبة في غاية الخطورة، على حساب أوروبا وأمنها، بحجة أنّه يريد وقف الحرب الأوكرانيّة. لا يهمّه ما الذي يحلّ بأوكرانيا وشعبها الذي صمد منذ ما يزيد على ثلاث سنوات في وجه الجيش الروسي الذي كان يعتقد أن احتلال كييف سيكون مجرّد نزهة.

بات مطروحا على أوكرانيا ورئيسها فولوديمير زيلينسكي القبول باحتلال روسي لأراض معيّنة والتخلي نهائيا عن شبه جزيرة القرم ونحو عشرين في المئة من الأراضي الأوكرانية. يريد الرئيس الأميركي، في ضوء المفاوضات التي أجراها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع مبعوث للرئيس الروسي، مكافأة بوتين على الهجوم الذي شنه على أوكرانيا في شباط – فبراير 2022. المفارقة أنّ مبعوث بوتين كانكيريل ديميترييف مسؤول صندوق الاستثمارات الروسي، وهو شخص فُرضت عليه عقوبات أميركيّة. رفعت هذه العقوبات مؤقتا كي يتمكن من المجيء إلى فلوريدا قبل بضعة أسابيع بغية عقد لقاءات مع ويتكوف وكوشنر!

من الواضح أنّ دونالد ترامب يرفض إلقاء نظرة، ولو سريعة، على خريطة أوكرانيا والدول التي لديها حدود مشتركة معها. يرفض الاعتراف بأنّ سقوط أوكرانيا سيفتح شهية بوتين الذي سيصدق أن روسيا استعادت أمجاد الإتحاد السوفياتي. من أوكرانيا، سيكون الرئيس الروسي قادرا على تهديد دول عدّة، بينها رومانيا ومولدافيا وسلوفاكيا وليس دول البلطيق فقط…

يعرض دونالد ترامب على أوروبا العودة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت فيها دول عدة مثل بولندا ورومانيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا (صارت الآن تشيكيا وسلوفاكيا) وبلغاريا أقرب إلى مستعمرات سوفياتية، كذلك دول البلطيق وأوكرانيا التي كانت جمهوريات سوفياتية. أمّا ألمانيا، فكان جزء منها (ألمانيا الشرقية) تحت هيمنة موسكو.

من الواضح أنّ دونالد ترامب يرفض الاعتراف بأنّ سقوط أوكرانيا سيفتح شهية بوتين الذي سيصدق أن روسيا استعادت أمجاد الإتحاد السوفياتي

بدل أن تكون أوكرانيا التي صمدت في وجه أطماع بوتين درعا أوروبيا في مواجهة روسيا، يبدو أن ترامب يسعى إلى جعلها جسرا يستخدم في تهديد أوروبا. لا يريد الرئيس الأميركي من زيلينسكي، الذي يواجه وضعا داخليا صعبا في ضوء تورط محيطين به بالفساد، قبول التخلي لروسيا عن جزء من أراض بلده فحسب، بل يريد أمورا أخرى. من بين هذه الأمور الامتناع عن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) والحدّ من عديد الجيش الأوكراني. في الواقع باتت أوروبا في وضع لا تحسد عليه، خصوصا مع إعلان الجانب الأميركي عن رغبته في عقد اجتماع بين مسؤولين روس ومسؤولين من دول حلف شمال الأطلسي بحضور أميركي. معنى ذلك أن الولايات المتحدة تحولت إلى وسيط بين الحلف الأطلسي وروسيا ولم تعد عضوا في “ناتو”…

باختصار شديد، يؤسس الطرح الأميركي لحروب أوروبيّة جديدة بدل أن ينهي الحرب الأوكرانيّة. لن يفيد استسلام أوكرانيا، كما هو معروض أميركيا، في شيء. لن تبتعد روسيا عن الصين بأي شكل. يؤكد ذلك أنّ قوات كورية شمالية تقاتل في أوكرانيا إلى جانب الجيش الروسي. لو لم تكن الصين راضية عن ذلك، لما كانت كوريا الشمالية أقدمت على مثل هذه الخطوة.

يبقى مهمّا التساؤل ما الذي ستفعله أوروبا في مواجهة الهجمة الأميركية عبر دفع أوكرانيا إلى الاستسلام؟ السؤال محيّر، لكنه من دون شكّ من نوع الأسئلة المصيريّة، خصوصا أن حلم استعادة روسيا لأمجاد الإتحاد السوفياتي لم يفارق فلاديمير بوتين يوما. هذا الحلم يعني أوّل ما يعنيه أن روسيا يجب أن تمتلك نفوذا في أوروبا، تماما كما كانت الحال قبل سقوط جدار برلين واستعادة ألمانيا لوحدتها…

لا شكّ أن ألمانيا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي تستعد لمرحلة ما بعد الانقلاب الذي نفذه إدارة ترامب. فرنسا وبريطانيا تستعدان، لكنّ ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته هو الدور الذي تلعبه روسيا فلاديمير بوتين في تشجيع اليمين الأوروبي ودعمه. تفعل ذلك في كلّ مكان، خصوصا في بريطانيا وفرنسا حيث حديث صريح عن تورط سياسيين في علاقات مشبوهة مع الرئيس الروسي والمجموعة التي حوله.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خطورة ترامب على أوروبا خطورة ترامب على أوروبا



GMT 09:06 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ميونيخ …؟!

GMT 08:20 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

السيد أندرو قيد التحقيق

GMT 08:19 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ماذا يجري خلف أسوار الصين؟

GMT 08:18 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب؟

GMT 08:17 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

حروب هجينة في أفريقيا

GMT 08:16 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

الهويات الصانعة للصراع

GMT 08:16 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

موضع وموضوع: هرمز ومضائق التاريخ

GMT 08:15 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

رمضانيات فى الذاكرة!

الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان - المغرب اليوم

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان
المغرب اليوم - تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:38 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

تركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 14:17 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

النجم العالمي زين مالك يعود للاستوديو في نيويورك

GMT 05:39 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

نورالدين بوطيب يعلن انخفاض معدل الجرائم التي تمس الأمن

GMT 08:23 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

علي حسين يطرح أغنية جديدة بعنوان "يا الزينة"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib