بقلم - خيرالله خيرالله
ترحل سنة 2025 فيما المنطقة أمام تحوّلات كبرى في مقدَّمها الحدث السوريّ وما سيتمخّض عنه. ستكون سوريا، من دون مبالغة، حجر الزاوية لمرحلة جديدة في المنطقة للمرّة الأولى منذ عام 1979 عندما أقام آية الله الخميني “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة، رافعاً شعار “تصدير الثورة”.
يرمز التغيير الذي حصل في سوريا إلى تراجع المشروع التوسّعيّ الإيرانيّ بكلّ أبعاده وانعكاساته. سيكون نجاح سوريا نجاحاً عربيّاً قبل أيّ شيء. لكنّ مشكلة هذا النجاح تكمن في أنّه ليس مضموناً، خصوصاً في ضوء الحاجة إلى تصحيح المسار، الذي اختارته السلطة السوريّة المؤقّتة الحاليّة برئاسة أحمد الشرع.
سيكون تصحيح المسار الإشكاليّة الأبرز في المشهد السياسيّ السوريّ نظراً إلى أنّ التصحيح لم يعُد خياراً يُناقَش، بل تحوَّل إلى ضرورة قصوى، سواء جاء استجابة لضغوط داخليّة مطالِبة بالاستقرار، أو نتيجة إرادة دوليّة لا تُمنح شرعيّتها ومواردها إلّا مقابل ضمانات فعليّة وحقيقيّة للإصلاح.
يظلّ الهدف الأساسيّ تجاوز الشكل الحاليّ للسلطة في اتّجاه جوهر جديد، أي نحو بناء سلطة وطنيّة جامعة، تعبّر عن إرادة السوريّين جميعاً، وتعمل على جمع الشمل تحت مظلّة مواطنة متساوية تحمي الجميع، وتجعل من الانتماء إلى سوريا الهويّة العليا التي تعلو على أيّ انتماءات أخرى ذات طابع مذهبيّ أو طائفيّ أو قوميّ. هذا ما يدعو إليه أحمد الشرع علناً. إنّه أمر يحتاج إلى خطوات عمليّة على أرض الواقع بغية التحوّل إلى نهج معتمَد من السلطة الجديدة.
تكمن المُعضلة في أصل هذه السلطة، فهي لم تنبثق من إرادة شعبيّة عبر انتخابات ديمقراطيّة، وبالتالي تفتقر إلى الشرعيّة السياسيّة التقليديّة. هذا الواقع صعب إلغاؤه، بل يفرض التعامل معه بمنطق براغماتيّ، كي تكون بوصلة العمل في اتّجاه تحقيق المصلحة العليا للبلاد واستقرارها.
هذه معادلة وجوديّة تتجاوز الأشخاص والكيانات الفاعلة الحاليّة، بما فيها الإدارة الحاليّة وجماعة “هيئة تحرير الشام”. إنّها معادلة تتعلّق ببقاء سوريا دولة متماسكة. تتعلّق عمليّاً بالنجاح في امتحان ما بعد نظام آل الأسد الذي لم يمتلك أيّ شرعيّة من أيّ نوع في يوم من الأيّام. لا يعود ذلك إلى أنّه وُلد من رحم انقلابات عسكريّة متتالية بدأت يوم الثامن من آذار 1963 فحسب، بل يعود أيضاً إلى أنّ نظام آل الأسد قام على فكرتين أساسيّتين:
-الحصول على ضمانة أمنيّة إسرائيليّة للنظام مقابل تسليم الجولان الذي حصل في 1967.
– تكريس وجود طبقة تنتمي إلى الطائفة العلويّة تسيطر عمليّاً على المفاصل الرئيسة للبلد وتتحكّم بها في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد.
من هذا المنطلق، لا يتمثّل الخيار الاستراتيجيّ الأكثر واقعيّة بهذه المرحلة الحرجة في السعي إلى إسقاط هذه السلطة، لأنّه مسار محفوف بمخاطر الفوضى العارمة داخليّاً وإقليميّاً، بل في السعي الحثيث إلى إجبارها على إصلاح نفسها وتغيير مسارها.
تبرز هنا نقطة ضغط محوريّة، فالانفتاح الذي قامت به الإدارة السوريّة الجديدة، بخاصّة مع الغرب، هو سلاح ذو حدّين. فهو وإن كان يُرى كمنفذ للنجاة، فإنّه في حقيقته يمثّل فخّاً وضعت السلطة نفسها فيه، إذ إنّ هذا الانفتاح لن يكون بلا ثمن. يشكّل هذا الانفتاح الدوليّ النافذة التي تُدخَل من خلالها آليّات الرقابة والحوكمة. هذه الآليّات نفسها ستتحوّل مع الوقت إلى أدوات ضغط مستمرّة لإلزام السلطة السوريّة الحاليّة على مراجعة سياساتها وتعديل أساليب حكمها، في حال أرادت الاحتفاظ بأيّ دعم أو اعتراف دوليَّين.