بين يمينَين لبنانيين، لكلٍّ منهما سرديّته، ومقدّساته، ويقينه، وخلاصه، وحكايته عن الآخر. تناقضاتهما لا تكتفي بالاختلاف، بل تمزّق الجغرافيا وتُلغي التاريخ، بينما يتقاسمان الكيان والصيغة والسلطة. كانت الدولة، حتى وقت قريب، أسيرتهما: إذا تخاصما دفعت الثمن، وإذا تصالحا كانت هي الثمن.
هذان اليمينان ليسا بالضرورة طائفيين، وإن غلبت طائفة بلونها على أحدهما؛ فهما، إلى حدٍّ ما، امتداد غير صحي وغير منطقي لكلٍّ من الحركة الوطنية، بغالبيتها المسلمة، و«الجبهة اللبنانية» بغالبيتها المسيحية، وقد شكّلا معاً نظامَ ما بعد الحرب الأهلية.
بين هذين اليمينين، تضيق مساحة الدولة، أو ما تبقّى منها من مؤسسات، والتي أُوكلت إلى قاضٍ «جاء من أقصى المدينة يسعى».
في سعيه نحو الدولة ومن أجلها، يواجه نواف سلام، من موقعه الرسمي رئيساً للحكومة، ومن موقعه الوطني أكاديمياً وسياسياً معتدلاً، صداماً مع هذين اليمينين على اختلافهما.
فعلى الرغم من تناقضهما الحاد وانقسامهما العمودي، يجتمعان بوصفهما منظومة سلطة تتحكّم بالدولة، بمعزل عن الأحجام والأوزان. وهما، بعيداً عن تناحرهما وإمكانية تصادمهما، يتّفقان على محاصرة الدولة، وإعاقة كلّ مَن يحاول تحريرها ولا يخضع لشروطهما.
فعلياً، يواجه نواف سلام يميناً يزايد عليه سيادياً في مواقف الدولة، في مسألة حصر السلاح وآليات اتخاذ قرار الحرب والسلم، ويتصرّف كأنّ السلام متاحٌ بمجرد المطالبة به، وكأنّ التجارب السابقة لم تعلّمه أن في العجلة ندامة، حتى لو تغيّرت بعض حسابات الخارج، فإنّ حسابات الداخل أعقد، ولا تُقاس بمنطق ربح الجماعات أو خسارتها.
في المقابل، يواجه يميناً آخر يزايد وطنياً، يختزل التاريخ والجغرافيا بالبندقية والعقيدة، ولا يرى في الاختلاف حول تفسير السلام -شروطه أو أهدافه- إلا خيانة. يعدّ نفسه فوق الدولة، فلا يؤمن بسلاح واحد، ولا جيش واحد، ولا قرار واحد، ويعتمد التعدّد في كل ما يخص الدولة ومؤسساتها، مقابل احتكار حصري لكل ما يتصل بمحوره.
هذا الأخير، قادته وكالته الحصرية إلى حرب إنهاك جديدة لبيئته، واستنزاف خطير في الأرواح والأرزاق، ومخاطر جدّية في تحوّلات ديمغرافية وجغرافية طويلة الأمد، ستلقي بظلالها القاتمة على حاضرهم ومستقبلهم. وبين الوعد بالنصر الدائم، وواقعهم الصعب، يواجه صعوبة في تحمّل مسؤوليات نكبتهم، فوجد ضالّته في نواف سلام، فتوعده.
لكن أزمة هذا اليمين، الذي فقد امتيازاته ما فوق الدولة، ليست مع نواف سلام بقدر ما هي مع السؤال الصعب الذي ستطرحه عليه بيئته: فـ«نصره» الموعود لم يمنعه سلام، وعندما تتوقّف الحرب سيصبح سؤال السلم أصعب. عندها، ستكون المكاشفة قاسية، وسيغدو نواف سلام مرآة تعكس وجه الحقيقة؛ لذلك قرّر هذا الفريق شيطنته.
فلا الهتافات المحرّضة، ولا التهديد بإسقاط حكومته، ولا التلويح بالشارع، ستدفع سلام إلى مساومة على مقاس السلطة أو تقاسمها.
في المحصّلة، لا يرى هذا اليمين، ومعه اليمين الآخر، في نواف سلام إلا ثقلاً على مشروع السيطرة على الدولة، كأنّه «ورم حميد» يتوسّع ينبغي استئصاله، حتى تعود الدولة أقلّ من حجمها، وتعود منظومة السلطة أكبر من دولتها.
هذه المنظومة، بيمينيها، وحتى بمعزل عن سلاح أحدهما، تفقد السيطرة تدريجياً، لكنها لا تزال تقاوم. وأكبر مواجهاتها اليوم هي مع نواف سلام المعتدل في انتمائه، الصارم في مواقفه. هدفٌ ظاهر للحزب وإخوانه وسلاحه، وهدفٌ مضمر لمنظومة السلطة وفسادها. يتمنّون مجتمعين إسقاطه، لكنْ، على ما يبدو، باقٍ على وسطيته واعتداله ويتمدد.