سلاح وجبال ومتسلقون

سلاح وجبال ومتسلقون

المغرب اليوم -

سلاح وجبال ومتسلقون

مصطفى فحص
بقلم - مصطفى فحص

بين المشهد الرمزي المذهل للمقاتلين الكرد في جبال قنديل وهم يحرقون بنادقهم، وبين إصرار القيادة الفلسطينية على تنفيذ التزاماتها في تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان للدولة، يُعاد تشكيل اثنين من أبرز صراعات الشرق الأوسط وأكثرهما تأثيراً وتأثراً؛ أي انتقال المسألة الكردية في تركيا والمسألة الفلسطينية في الخارج من التمسك بالكفاح المسلح كخيار أول لتحقيق المطالب المشروعة للشعبين، إلى اللجوء إلى العمل السياسي والدبلوماسي والثقافي من أجل تحقيق هذه المطالب.

ارتدادات قرار «حزب العمال الكردستاني» حل نفسه كبيرة ومؤثرة، تبدأ من «قسد» في سوريا، ولا تنتهي في العراق أو حتى داخل إيران، في حين أن قرار رام الله إعادة ترتيب البيت الفلسطيني في لبنان، وإبعاده نهائياً عن التجاذبات اللبنانية الداخلية، وتحريره من موقعه السابق إلى القطيعة مع ماضيه، شكّل أزمة لبعض النخب لدى الطرفين اللبنانيين القابعين في الماضي أو غير المتحررين من أثقال الحرب الأهلية، بعد خمسين سنة على ذكراها غير الحميدة، فبدوا مشكّكين بالقرار الفلسطيني أو رافضين له.

من جبل قنديل إلى جبل الدروز وصولاً إلى جبل عامل تعيد جبهة الرفض إنتاج خطابها مجدداً؛ إذ تجد هذه النخبة موقعها السياسي والاجتماعي في حشر رأيها الأطول من أنفها في السياسات الدولية والإقليمية، وتحرّر موقعاً لبنانياً وقومياً كأنها تتحكم بميزان القوة الإقليمي، وتُطلق تصريحاتها ومواقفها كأنها في جزيرة معزولة. فالهجوم على قرار السلطة الفلسطينية لا ينفصل عن موقفها من فكرة احتكار الدولة للعنف وحصر السلاح بيدها، وهو موقف لا ينفصل عن موقف نخب عراقية تضع علامات استفهام حول تصرفات «حزب العمال الكردستاني»؛ لأنه يُحرج موقع «الحشد الشعبي»، ويدعم مطالب النخب الوطنية والروحية في بغداد والنجف بحصر السلاح بيد الدولة ودمج «الحشد» بالقوات المسلحة الرسمية.

التخلي الكردي والفلسطيني عن فكرة الكفاح المسلح من الخارج إلى الداخل، بعد مرحلة تضحيات كبرى ونضج سياسي يوازي ما قدموه في المواجهات العسكرية، ترك أثره المباشر على سوريا، ما بين مناطق «قسد» وجبل الدروز. فـ«قسد» المرتبكة من المصالحة الكردية - التركية، تطالب بمراعاة خصوصيتها السورية، بالرغم من الضمانات الدولية والإقليمية والعربية. فبالنسبة إليها، أنقرة - الوريثة العثمانية لهذه الجغرافيا السياسية - قطعت أكثر من قرن في رسم استقرارها ونفوذها ومصالحها، وهي الآن مستعدة لمصالحة تاريخية مع الكرد تختلف عن دمشق التي منذ أشهر ورثت واحداً من أسوأ الأنظمة الديكتاتورية في العالم، وتعمل على تأسيس استقرار نظامها الجديد، محاصَرة بوراثة من الجرائم وطموحات الانفصال والانتقام.

أزمة السويداء الأخيرة كشفت عن رغبة إسرائيلية في إعادة بناء حلف الأقليات، مستخدمة شعارها الزائف «حمايتهم»، وأظهرت سهولة استدراج الوضع الجديد في سوريا إلى الفوضى. وبانتظار التحقيق المستقل - الذي ليس بالضرورة أن يأتي من أي جانب سوري - فإن ما حدث لا يمكن فصله عن فشل «مفاوضات باكو»، وتحرك إسرائيل لقصف وزارة الدفاع السورية، هذا في ظاهره دفاع عن أهلنا الدروز، ولكن في باطنه ضغط على دمشق التي يبدو أنها لن تقبل بشروط تل أبيب التفاوضية.

عودٌ على بدء، النخب التي ترفض تسليم الفلسطينيين سلاحهم في لبنان؛ لأنه سيُستخدم للضغط على الحزب من أجل تسليم سلاحه، جاهروا بترحيبهم بالتدخل الإسرائيلي ضد حكومة أحمد الشرع... هذه النخب نفسها التي ورطت الشيعة في حرب الإسناد إرضاءً للنوستالجيا الثورية، وهي التي تخوّن الرئيس محمود عباس بسبب قرار حمايته الضفة الغربية من فوضى السلاح، وإنهاء ملف السلاح في لبنان، وهي نفسها تؤيد استعانة بعض الدروز بإسرائيل.

في لبنان، يواجه المتلقي اللبناني - عادياً كان أو متعلماً، متابعاً أو هاوياً - مشكلة في استيعاب تبدلات مواقف بعض النخب أو من يُوصفون بالنخب السياسية والثورية والثقافية والاستراتيجية، فأغلب هؤلاء غير مستعدين للقيام بمراجعة جزئية، وليس كلية، لمرحلة كاملة من التخندق والانحياز، كانت سبباً في تهاوٍ جماعي، ليس فقط لجماعتهم الحزبية أو العقائدية أو الطائفية، بل لأوطانهم. وهم الآن أقرب إلى معادلة السلام والتطبيع مع إسرائيل من التصالح مع سوريا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سلاح وجبال ومتسلقون سلاح وجبال ومتسلقون



GMT 22:08 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

ويحزنون

GMT 22:06 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

الاستسلام دون قيد ولا شرط ؟!

GMT 22:04 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

مجتبى الذي أتته الخلافة منقادة

GMT 22:01 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

حرب إيرانَ والمخطط ضد الصين!

GMT 21:59 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

الحرب وثمن الصورة

GMT 21:57 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

كيف نقرأ إشادة الرئيس بالدراما الرمضانية؟!!

GMT 22:12 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

النفط ضاحكاً

إطلالات النجمات بالأسود في رمضان أناقة كلاسيكية تخطف الأنظار

أبوظبي - المغرب اليوم

GMT 00:21 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

السيسي يؤكد تضامن مصر مع السعودية ضد أي تهديد
المغرب اليوم - السيسي يؤكد تضامن مصر مع السعودية ضد أي تهديد

GMT 23:18 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

ظافر العابدين يعلن وفاة شقيقه حاتم
المغرب اليوم - ظافر العابدين يعلن وفاة شقيقه حاتم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:48 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 26-9-2020

GMT 05:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

مناخا جيد على الرغم من بعض المعاكسات

GMT 21:28 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مولودية وجدة يتعاقد مع النغمي واليوسفي

GMT 18:15 2017 الأربعاء ,14 حزيران / يونيو

"مزيل العرق" أهم خطوات إتيكيت الصالات الرياضية

GMT 11:01 2020 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الكشف عن المرض الذي يقلل خطر الإصابة بفيروس "كورونا"

GMT 06:32 2019 الإثنين ,23 كانون الأول / ديسمبر

التعادل السلبي يحسم نتيجة أولمبيك آسفي والفتح الرباطي

GMT 11:51 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تحديد موعد مباراة الرجاء ورجاء بني ملال
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib