«حزب الله» واحتكارُ الرواية

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

المغرب اليوم -

«حزب الله» واحتكارُ الرواية

مصطفى فحص
بقلم : مصطفى فحص

يكافح «حزب الله» من أجل فرض روايةٍ واحدة للمَقتلة الجنوبية، أو تفسيرٍ واحدٍ لها، ويرى في أي رأيٍ مختلف «خيانةً» أو «طعناً في التضحيات». وهدفه منع بيئته، التي حملته سنوات، من قول ما تشعر به. لكنّ للجنوبيين روايةً أخرى.

فقد كانت حياة المُزارِعة الجنوبية فادية الحناوي شاقةً، كالشقاء في زراعة التبغ بقريتها عيترون؛ القريةِ التي سُوِّيت بالأرض، ومعها بيتها الذي بَنَته حجراً حجراً، موسماً بعد موسم، من زراعة الشتلة وقطفها وشَكِّها، لترسم تلك الشتلةُ تفاصيلَ الحياة الجنوبية بحلوها ومرّها.

فادية هي أنا وهو وهي وأنتم ونحن الواقفون على باب التهجير، أو الهاربون من تهجير إلى آخر... هي الجنوبية التي يُراد لها أن تصمت كي لا «تُوهِن» عزيمة الجماعة... وهي المتهمة؛ كغيرها من الشجعان والشجاعات الذين قرروا الخروج عن نصّ الجماعة المقدّس، وأن يقدّسوا أشياءهم الصغيرة: منازلهم... صورهم... ذاكرتهم، وأن يجاهروا بحزنهم.

هي زينب سعد التي تُطوّقها ألسنة العوامِ المنتظمين في لاهوتٍ حزبي بالعزلة أو الطرد؛ عقاباً على ما قالته علناً.

وهي كالراحل أبو علي فقيه، الذي مات فوق ركام منزله حزناً وقهراً، مخالفاً شعار الجماعة التي تَفترض أن الموت يجب أن يكون سعادة، وأنّ مَن يموت بغير تلك السعادة متهمٌ بالخروج والتخلّي... وأحياناً بالخيانة.

ففي العقل الشمولي، الستاليني أو العقدي، يُجرَّد الإنسان من خصوصيته، ومن ذاكرته ومستقبله، ويصبح حزنُه وفرحه وحياته وموته وبيته وعمله ملكَ الجماعة أو التنظيم أو النظام. فلا يعود الحزن حقاً، ولا النجاة الفردية حقاً طبيعياً كذلك، ويصبح المطلوب أن يشعر كما تريد الجماعة، وأن يصمت حين تقرر له الصمت، وأن يروي مأساته باللغة التي تسمح بها السلطة أو «الحزب» أو الطائفة؛ لأنهم وحدهم يحتكرون الرواية.

الرواية التي يريد «الحزب» احتكارها: إجبار الناس على أن يَرَوْا الموتَ والحربَ والدمارَ كما يراها هو، وأن يحاصِر الحقيقة ويمنع روايتها، وأن يقتلها داخل الفرد والجماعة والبيئة، وأن يجرّد الإنسان من قدرته على الدفاع عن نفسه أمام لاهوت السياسة و«الحزب»، حيث يُختزل الفردُ بالكامل، ويتحوّل شخصاً مُسيَّراً ومسيطَراً عليه كليةً. إنها ذروة القمع الممنهج، والآيديولوجيا الواضحة، والسيطرة على الوعي، وسلب الهوية والحرية.

وفي احتكاره «الرواية الأخيرة»، يحاول «حزبُ الله» محاصرةَ الأصوات التي تنتقد مغامراته القاتلة، ويقلّل من قيمة ما يخسره الناس مقابل شعارات النصر والعزة والكرامة، ولا يتردد في معاقبة من يخالف روايته. والعقوبة هنا ليست مجرد رد فعل، بل وسيلة لإعادة تعريف مخالفي «الحزب» أو الجماعة أو الطائفة، وعدّهم عبئاً يجب عزله؛ لأنهم باتوا خارج «الإجماع»، وتصويرهم على أنهم حالة عابرة.

إنها محاصرة اجتماعية وسياسية وأمنية تضغط على المخالفين إلى مرحلة يصبح فيها التعبير مكلفاً إلى درجة الصمت القسري، وحيث يدرك الأفراد أن الدفاع عن أنفسهم لا يغيّر شيئاً في منظومة قررت سلفاً موقعَهم. إنها لحظة «ما بعد العدالة»، حين لا يعود الظلم بحاجة إلى تبرير.

أما الرواية الأخرى فيصعب احتكارها؛ لأن من المستحيل مصادرةَ الموت والحزن والخسارة والوجع، أو فرضَ روايةٍ وحيدة عليها. وهنا يختصر محمود درويش حالة الموت الجنوبي المُعلَن بقوله:

فيا موتُ انتظرني ريثما أُنهي

تدابيرَ الجنازة في الربيع الهشّ

حيث وُلدتُ... حيث سأمنع الخطباء

من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين

وعن صمود التين والزيتون

في وجه الزمان وجيشه...


كُتّاب الشرق الأوسط
المزيد
الأكثر قراءة
اليوم
الأسبوع
4 طرق صحية لتناول التمر دون رفع سكر الدم
1
4 طرق صحية لتناول التمر دون رفع سكر الدم
2
كيف يؤثر تناول البيض على صحة الدماغ؟
3
ماذا يحدث لكليتيك عند شرب القهوة كل صباح؟
4
السعودية: احتمالية وفادة فيروس «هانتا» منخفضة جداً
5
المشي حافياً في المنزل... هل مفيد أم مضر؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حزب الله» واحتكارُ الرواية «حزب الله» واحتكارُ الرواية



GMT 20:19 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

العراق بين وزرائه وأمرائه

GMT 20:14 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

حرب إيران: هل بات الأمر قاب قوسين أو أدنى؟

GMT 20:08 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

ألف مليون سلامة لحسن المستكاوى

GMT 20:05 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

العربة.. والحُصان

GMT 20:02 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

شاعر «إنت عمري» أحرق قيثارته!

GMT 15:23 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

بحثاً عن فلسطين

الملكة رانيا تخطف الأنظار وتؤكد أناقتها المتجددة بالبدلات الرسمية

عمان - المغرب اليوم

GMT 12:24 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل السبت26-9-2020

GMT 03:22 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

فخامة مطعم Fume العصري في فندق Manzil Downtown

GMT 15:14 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 17:35 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 11:46 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حقيبة الدكتور" تتحول لنجمة موضة الخريف

GMT 06:26 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 09:01 2019 الأحد ,16 حزيران / يونيو

أرقى 7 عطور من أحدث الإصدارات لصيف 2019

GMT 10:21 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

تشغيل البوابات الإلكترونية داخل مطار "مراكش المنارة"

GMT 18:08 2018 الخميس ,08 آذار/ مارس

خطوات عمل مكياج عيون يناسب لون عينيكِ

GMT 20:33 2017 الجمعة ,27 كانون الثاني / يناير

ثلوج الأردن في المناطق التي يزيد ارتفاعها عن 800 متر

GMT 16:14 2024 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

أوناحي ضمّن التشكيل المثالي لثمن نهائي الكان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib