الهوة بين الشعار والممارسة خاصية المغرب المعاصر

الهوة بين الشعار والممارسة خاصية المغرب المعاصر

المغرب اليوم -

الهوة بين الشعار والممارسة خاصية المغرب المعاصر

أحمد عصيد

السياسة الانتقامية التي تمارسها السلطة ضدّ معارضيها تبرز مقدار ممانعة النظام المغربي ومقاومته لأي تغيير أو إصلاح فعلي، فالتراجع هو ما يسم الكثير من الممارسات السلطوية سواء في الشارع أو في المحاكم أو مخافر الشرطة، تعود السلطة إلى سابق عهدها من فبركة الملفات وتلفيق التهم بشكل غرائبي ومتناقض إلى حدّ يبعث على الضحك المرّ، كما تعود إلى تسويد صفحات الاعتقال السياسي من جديد بعد أن ادعت طيّ صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة، وهي تعمد إلى ذلك كله بتلفيق التهم الجنائية في أمور تعود في جوهرها إلى مواقف وآراء سياسية للفاعلين في مختلف المجالات. فالاعتقال السياسي بصبغة جنائية أصبحت خاصية المرحلة.
تستمر السلطة في إنكار وجود معتقلين سياسيين وسجناء رأي بالمغرب، في الوقت الذي تم فيه إلقاء القبض على العديد من الشباب بسبب مواقفهم السياسية التي يعلنون عنها في تظاهرات في الشارع العام وفي العالم الافتراضي ووسائل الإعلام، ومهما كانت التهم الملفقة لهم في مخافر الشرطة فإن الحقيقة لا يمكن أن تخفى على أحد، خاصة وأن أشكال التعقب والمتابعة والاختطاف والاعتداء تدلّ على وجود ترصد مع سبق الإصرار لاعتقال هؤلاء المناضلين لحسابات سلطوية.
أعلن وزير العدل عدم وجود التعذيب بالمغرب، في الوقت الذي سلمت له شكايات عديدة لمواطنين تمّ تعذيبهم بطرق لا إنسانية، وقدم بعضهم شهاداتهم أمام الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين. سبب استمرار التعذيب إصرار السلطة على التمسك بهويتها، التي قيمها العنف واحتقار المواطن وعدم الاعتراف بالحق في التعبير الحرّ وعدم القبول بالتشكيك في أساليب السلطة وطرقها في خرق القانون بالجملة والاستهتار بالمساطر.
هكذا تمت معاملة المعطلين والنساء السلاليات والأساتذة وكل الشرائح والفئات بأسلوب لا يليق بمواطنين ذوي كرامة، ومنهم السكان البسطاء الذين يواصلون احتجاجهم على انتزاع الأراضي واحتكار الموارد، بهدف ترهيبهم وخنق أصواتهم في جرائم أصبحت روائحها تزكم الأنوف، ويتمّ هذا القمع إرضاء لمافيا العقار ومافيا المناجم وأصحاب المشاريع المشبوهة التي تمّ بناؤها على حساب مصالح السكان وفي تهديد سافر لصحتهم واستقرارهم وأبسط حقوقهم.
وفي ظل هذه الوضعية المتوترة، أصبح الفاعلون الحقوقيون أنفسهم في خطر، بعد أن شرعت السلطة في القيام بالانتقام منهم بأساليب مختلفة، عبر منع اللقاءات والتظاهرات وترهيب الأفراد والاعتداء المادي المباشر عليهم، ومعاملتهم بالسب والشتم وكل أشكال العنف الرمزي لدفعهم إلى التخلي عن السكان البسطاء العاجزين أمام السلطة المحلية، الحليفة التاريخية لمافيات النهب والسلب والفساد.
تعمد السلطات المحلية في البداية إلى استرضاء المواطنين وطمأنتهم بوعود كاذبة لدفعهم إلى التراجع عن الاحتجاج والتخلي عن المطالبة بحقوقهم المشروعة، وعندما يلجئون بعد يأسهم وفقدان ثقتهم في المؤسسات إلى الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين تصبح السلطة أكثر شراسة فتلجأ إلى أساليب التهديد والوعيد وتلفيق التهم، والتي من أغربها ما تعرض له أحد المواطنين وهو في الثمانينات من عمره بمنطقة تيداس بناحية الخميسات، عندما هددته السلطة بتحريك تهمة ضدّه بقتل مواطن أيام الاستعمار (كذا !)، وذلك لدفعه إلى التخلي عن الاحتجاج ضدّ مشروع صناعي زرع في منطقة فلاحية وجلب على البلدة الكثير من الويلات، وأصبح يمثل تهديدا للفرشة المائية وحياة المواطنين والبهائم والغطاء النباتي على السواء.
حقا إن الهوة بين الشعار والممارسة هي خاصية المغرب المعاصر بلا جدال، وسببها رغبة الحكام في تجميل وجه بلدنا دون تغيير الممارسات والقيم والذهنيات، وهذا من ضروب المستحيل، لأن الشعارات والنصوص المكتوبة مهما كانت أهميتها، لا قيمة لها بدون أن يكون لها أثر على واقع الناس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهوة بين الشعار والممارسة خاصية المغرب المعاصر الهوة بين الشعار والممارسة خاصية المغرب المعاصر



GMT 06:51 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 06:50 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 06:49 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

أولويَّات الحكومة!

GMT 06:48 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 06:47 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 06:47 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 06:46 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

GMT 06:44 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

95 ثانية!!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:41 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

السلطات الباكستانية تفرج عن 147 سجيناً هندياً

GMT 20:01 2020 الثلاثاء ,14 كانون الثاني / يناير

سبب غضب رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم مِن لجنة البرمجة

GMT 05:07 2018 الأحد ,29 تموز / يوليو

ماسك الكيوي وزيت الزيتون لعلاج تساقط الشعر

GMT 08:31 2025 الإثنين ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

GMT 20:15 2023 الجمعة ,10 آذار/ مارس

أسعار النفط تواصل الانخفاض

GMT 20:49 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 02:46 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

تناول فنجان من القهوة يوميًا يطيل العمر 9 دقائق

GMT 12:03 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

"الملك لير" يعود إلى جمهوره بـ"غاليري في حب الفخراني"

GMT 20:09 2018 الأربعاء ,26 أيلول / سبتمبر

استقرار أسعار الفضة عند 14.45 دولار للأوقية الأربعاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib