لماذا لا تنجح الانتخابات في بلدان المسلمين

لماذا لا تنجح الانتخابات في بلدان المسلمين ؟

المغرب اليوم -

لماذا لا تنجح الانتخابات في بلدان المسلمين

بقلم : أحمد عصيد

الاحتكام إلى صناديق الاقتراع آلية من آليات الديمقراطية، هدفها فرز من يتولى إدارة الشأن العام، وتدبير الاختلاف بشكل سلمي وحضاري.
لكن الانتخابات لا تنظم إلا على أساس تعاقد متين وواضح يضمن حقوق الجميع في إطار المساواة التامة بين كل مكونات الأمة، وعندما ينعدم هذا التعاقد بسبب تباعد المرجعيات وتناقضها التام، وغياب أرضية مشتركة، وشيوع الخوف لانعدام الثقة في الآخر وفي المؤسسات ذاتها، تصبح الانتخابات مجرد لعبة شكلية عديمة الجدوى.
يفسر هذا الأسباب التي جعلت المسلمين يميلون إلى اختزال الديمقراطية في صناديق الاقتراع لا غير، حيث يعتقد كل طرف بحكم عدم قبوله بالآخر، بأن الأغلبية العددية تمنحه إمكانية سحق الآخر وإخضاعه وإذلاله والتحكم في مصيره.
هكذا تصبح الديمقراطية بمثابة إجبار للأقليات على "التنازل" عن حقوقها للأغلبية الفائزة في الانتخابات، والحال أن الديمقراطية وُجدت لحماية الحقوق الأساسية للأقليات أيضا وليس لدفعها إلى التنازل عنها إرضاء لأي طرف آخر.
يفسر هذا كذلك الأسباب التي جعلت المصريين بعد الانتفاضة وبعد انتخابات من كل نوع لم يهنئوا بالاستقرار، وكذلك التونسيون، وكذلك الجزائريون، كما يفسر كيف لجأ العراقيون إلى تنظيم انتخابات تحت تهديد الجماعات المسلحة ووقع التفجيرات التي أودت بحياة مواطنين يوم الاقتراع. وهي وضعية سريالية لا يمكن تفسيرها إلا بالإصرار على الاتجاه في الطريق الخطأ، حيث لن تسفر الانتخابات عن أية شرعية ما دام  الأساس الصلب غير متوفر، وهو التعاقد المدني الذي تعترف فيه كل الأطراف ببعضها البعض، وتضع دستورا يحميها جميعها من بعضها البعض ويقر بحقوقها في إطار المواطنة، وهذا النوع من التعاقد غير ممكن إلا في إطار وعي مدني ديمقراطي لا طائفي ولا ديني ولا عرقي ولا عسكري.
تعتمد الطائفية نزعة التجييش الحربي وأساليب التحريض التي تصور الطوائف الأخرى في صورة الشيطان الذي يتربص بالكيان الطائفي ويكيد له، وإذ تقوم الطوائف بالمزايدة على بعضها البعض في الدين أو العرق فإنها تضطر إلى التراجع عن كل منطلقات دولة القانون التي تصبح ضد مصالحها، حيث يصبح الفضاء العام مجالا لاستعراض عضلات الطوائف وإبراز تفوقها العسكري أو الديني، وبهذا ينعدم الأمن والاستقرار ويشيع الخوف والترقب وانعدام الثقة في الدولة وفي جدواها، حيث يحتمي الناس بالطائفة لا بالقانون، ويلجئون إلى مشايخهم ورموزهم الطائفية لا إلى الدولة الجامعة.
ومن المفارقات التي أبانت عنها الانتخابات العراقية، والتي على كل من يختزل الديمقراطية في صوت الأغلبية العددية التفكير فيها بإمعان، هي أن فكرة الأغلبية التي ينادي بها الإسلاميون السنيون في مختلف بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط تصبح مرفوضة لديهم في العراق والبحرين، فقط لأن الأغلبية في هذين البلدين شيعية وليست سنية، ولهذا يسمي الإسلاميون التفجيرات في العراق "مقاومة"، ويسمون القتل اليومي في سوريا "جهادا"، بينما يتعلق الأمر بذهنية ترفض رفضا كليا احترام الآخر واعتباره سواء كان أغلبية أو أقلية.
لا يعني هذا أن الأغلبية الشيعية ستكون رحيمة بأهل السنة إن هي تمكنت من السلطة، لا شك أنها ستسومهم الخسف وتذيقهم الهوان، ليس لأن الشيعة أشرار والسنة أخيار مساكين، بل لأن الدولة الدينية والطائفية لا يمكن أن تكون ديمقراطية ـ سواء كانت سنية أو شيعية ـ بسب طبيعة الأسس التي تقوم عليها، والدليل على ذلك أن لا إيران الشيعية ولا السعودية السنية أفلحتا في ترسيخ الديمقراطية وضمان الاستقرار.
ليس ثمة مخرج من هذا المأزق الحضاري إلا شيء واحد هو القبول بمبدأ الدولة المدنية الديمقراطية التي قاومهما المسلمون على مدى قرن كامل، وإنهاء الطائفية ووضع دساتير ديمقراطية شكلا ومضمونا ليجد كل طرف مكانته في الدولة باعتباره مواطنا ينتمي إلى الدولة لا إلى الطائفة، ولا إلى جماعة دينية، واللجوء بعد ذلك إلى الانتخابات التي لن تكون موضوع منازعة ومثار فتنة بعد ذلك. أما الاستمرار في وهم سحق الآخرين والقضاء المبرم عليهم وإقامة دولة الشريعة على أنقاضهم ورفاتهم والانتقام للماضي البعيد من الحاضر المعيب، فهذا من الدوافع الغريزية السابقة على المدنية، والتي ليست من الحضارة في شيء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا لا تنجح الانتخابات في بلدان المسلمين لماذا لا تنجح الانتخابات في بلدان المسلمين



GMT 10:09 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

مطعم الملك فاروق!

GMT 10:05 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

هدايا مفيد شهاب

GMT 10:00 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

سباق التسلح!

GMT 09:49 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

الفيلم التونسي «صوت هامس» صار صاخبًا!!

GMT 09:47 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

الطريق نحو الكرامة!

GMT 09:45 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

السقف وقع؟

GMT 09:42 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

ماذا نريد لمصر؟!

فساتين سهرة غير تقليدية تضيء سهرات عيد الحب بإطلالات النجمات

بيروت - المغرب اليوم

GMT 23:17 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

وصايا خبراء الديكور لاختيار باركيه المنازل

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 15:57 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 01:19 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

لونلي بلانيت يكشّف عن أفضل 10 وجهات سياحية

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 21:47 2022 السبت ,01 كانون الثاني / يناير

خالد آيت طالب يشيد بمجهودات موظفي وزارة الصحة المغربية

GMT 03:35 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

بساطة السهل الممتنع بعرض أزياء "تي أو دي إس" في "ميلانو"

GMT 10:58 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

"الرجاء" يفاوض الشاكير وزكرياء حدراف لتجديد عقديهما
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib