مِن فتى الإسطبل اليوناني إلى جوزيف منغيله

مِن فتى الإسطبل اليوناني إلى جوزيف منغيله!

المغرب اليوم -

مِن فتى الإسطبل اليوناني إلى جوزيف منغيله

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

في أحد تعليقاته العالقة بالذاكرة حول الحالة الراهنة لأوروبا، أعرب البابا الراحل فرنسيس عن أمله في أن تتحول «القارة العجوز» إلى مستشفى ميداني للضحايا من مختلف جنبات الأرض، في خضم عالم يموج بالاضطرابات، وتعصف به الحروب.

ويحمل هذا التعليق في طياته فكرة ضمنية، مفادها أن الشعور بكون المرء ضحية، سواء أكان حقيقاً أم متخيلاً، يمنح صاحبه مقعداً على مائدة الامتيازات، التي يجري تقديمها باعتبارها من حقوق الإنسان.

بعبارة أخرى، وضع هذا التصريح غير التقليدي البابا الكاثوليكي في صفّ أولئك الذين يحاولون تحويل مفهومهم الخاص لحقوق الإنسان إلى ديانة علمانية، غير مقيدة بالمفهوم التقليدي للواجب، الذي ترسخه الأديان التقليدية. الأسبوع الماضي، ناقش البرلمان الفرنسي ترسيخ «حقّ» جديد في قوانين البلاد؛ الحق في الموت.

جاء طرح هذه المسألة للمرة الأولى في أوروبا قبل نحو ثلاثين عاماً، ما دفع لأن تصبح سويسرا وهولندا أول ملاذين لممارسة هذا الحق في الموت.

في بداية الأمر، جرى طرح هذا «الحق» تحت مسمى «القتل الرحيم»، إلا أنه سرعان ما دعت الضرورة إلى تغيير المسمى بسبب كلمة «قتل» المثيرة للجدل. وبالفعل، جرى التخلي عن هذا المسمى لصالح عبارة «الانتحار بمساعدة الغير». ومع ذلك، قوبل المسمى الجديد بالرفض هو الآخر، لأن الانتحار غير قانوني في معظم الأنظمة القضائية الأوروبية. بعد ذلك، وصلنا إلى مصطلح «الموت بمساعدة الغير»، لكن الفعل «يموت» فعل لازم (غير متعدٍ)، وإضافة «بمساعدة» تجعله متعدياً، ما يوحي بالقتل المتعمد. وعليه، اختار اللغويون المهتمون بالصوابية السياسية، تعبير «الحق في الموت»، ليعود بذلك القرار إلى «الضحية» نفسه. ومع ذلك، لم يخلُ هذا الطرح كذلك من مشكلات، أولها الموت ليس «حقاً»، وإنما قدر سيعاينه كل كائن حي حين يحين أجله.

كما قال الشاعر الفارسي غزائي: «منذ لحظة ولادتنا، يبدأ موتنا!». إذاً المسألة ليست «الحق في الموت»، بل ممارسة هذا الحق. من جهتها، لم تتقبل النخب «اليقظوية» (Woke) الموقف اللاهوتي، الذي يجعل حق إنهاء الحياة حكراً على الخالق وحده. أما المصطلح الذي جرى اعتماده أخيراً، واستخدم في النقاش الفرنسي، الأسبوع الماضي، فكان «Euthanasia» أقرب ترجمة له «القتل الرحيم»، وهو مصطلح مخادع مشتق من أصل يوناني. ومع ذلك، يكشف النصّ أن ما يُقترح هو قتل أشخاص يُوصَفون بأنهم يعانون من أمراض عضال، ومن جديد، الضحايا الذين وقع عليهم «الاختيار الخاطئ».

بصورة ما، يعدّ «الحق في الموت» بمثابة امتداد حتمي لـ«الحق في الإجهاض»، الذي يُفترض كذلك أنه تجري ممارسته في إطار قيود صارمة، لكنها غالباً لا تُحترم. مثال؛ الأسبوع الماضي، أعلن «المكتب الإسلامي للديموغرافيا» في طهران أن عدد حالات الإجهاض في إيران وصل إلى نحو نصف مليون حالة سنوياً. على جانب آخر، أدان ممثلو جميع الديانات الكبرى تقريباً «القتل الرحيم»، باعتبار أن منح الحياة وأخذها من اختصاص الخالق، وليس مسألة تُترك للاختيار الفردي.

أما مؤيدو «القتل الرحيم»، فيرون أن إبقاء المرضى الميؤوس من شفائهم على قيد الحياة، خاصة أولئك الذين يعانون من آلام مبرحة، أمر يتنافى مع الإنسانية، علاوة على كونه هدراً اقتصادياً، فالموارد «المهدرة» في الحفاظ على حياة هؤلاء المرضى، يمكن توجيهها بشكل أفضل نحو علاج ورعاية آخرين ممن يعانون من أمراض قابلة للشفاء. وتُقدّر إحدى الدراسات أن «القتل الرحيم» قد يُحقق وفورات مالية تصل إلى مليار دولار سنوياً. ويُعدّ «القتل الرحيم» أحدث تجليات محاولات إخضاع جميع جوانب الحياة، لمنطق التحليل العلمي البارد، على أمل فرض سيطرة عقلانية صارمة على الوجود البشري. والمثير هنا أن «الحق في الموت» لا يصاحبه «الحق في الولادة». في الغالب، يدعم من يؤيدون «الحق في الموت» كذلك حق قتل الأجنة باسم «الإجهاض». كما أن مواقفهم يشوبها الغموض تجاه مسألة الأطفال الذين يولدون بأمراض غير قابلة للشفاء، ويُحكم عليهم بحياة مليئة بالمعاناة.

ولو قررنا «التخلّص» من جميع البشر الذين يعانون من أمراض أو حالات طبية مختلفة، فلن يتبقى على هذه الأرض سوى القليل للغاية من البشر. ولو سرنا مع موقفهم، وصولاً إلى نهايته العبثية، لكن المنطقية، فعلينا أن ننظّم نظاماً عالمياً جديداً لإنتاج «بشر مثاليين» فقط، لا يمرضون ولا يتألمون، الحلم (أو الكابوس) الذي راود جوزيف منغيله.

في الواقع، يعمل كثير من علماء الوراثة بالفعل في هذا الاتجاه، فالأبحاث الهادفة إلى «تصحيح» العيوب الوراثية في الحمض النووي البشري، تصبّ في هذا الهدف. كما أن برامج الكمبيوتر الجديدة التي تساعد الأفراد والأزواج على إيجاد «التطابق البيولوجي المثالي» تنتمي إلى الفكرة نفسها. ويبقى السؤال الأهم؛ من يقرر كل ذلك؟ الإجابة؛ العلماء والأطباء الذين لا يخضعون لأدنى محاسبة، ما يُعدّ وصفة مؤكدة لبناء أعتى أنواع الديكتاتوريات التي عرفها البشر على الإطلاق.

ويوجب القانون الجديد أن يتخذ المريض نفسه قرار الموت، لكن كيف يمكن لشخص يُفترض أنه يعاني من آلام لا تحتمل أن يكون في وضع يسمح له باتخاذ قرار مصيري يتعلق بالحياة والموت؟

أما الحُجة الاقتصادية التي تطرح لصالح «القتل الرحيم»، فهي أشد فظاعة، فلو طبّقنا مبدأ «الفاعلية من حيث التكلفة» على كل حياة بشرية، سرعان ما سيتجلى أمامنا عبث هذا المسار. هناك مئات الملايين من الناس في الدول الفقيرة لا يُسهمون بشيء يُذكر في الاقتصاد العالمي. وهناك عشرات الملايين من المتقاعدين في الدول الغنية، يُعدّون عبئاً على خزينة الدولة.

في الواقع، إن اتخاذ قرارات بشأن من يستحق الحياة ومن يجب أن يموت، بناءً على حسابات مالية، ليس أكثر من مثال صارخ على «عقل» جنّ جنونه.

من جهته، كان أرسطو، الملقب بأبي المنطق، مدركاً لمخاطر دفع العقلانية إلى مناطق مجهولة في الوجود الإنساني. كما حذّر من أن أي نظام يُبالغ في تطبيق مبدئه الأساسي مصيره الانهيار. وفي هذه الحالة، نجد أن الإفراط في العقلانية يقتل العقل نفسه. هناك مجالات في الحياة – قد تكون هي الأهم – لا يمكن، ولا يجب، أن تخضع للمنطق العلمي البارد، منها الحب، والصداقة، والذوق، والموهبة، وبالطبع الفرح والألم.

لماذا نقع في حب عينَين سوداوين معيّنتين دون سواهما؟

لماذا نشعر بعلاقة صداقة مميزة تجاه هذا الشخص بالذات، من بين مليارات البشر؟

لماذا نُحب صوت هذا المغني دون ذاك، أو شعر هذا الشاعر دون غيره؟ كيف يمكن أن نرسم ببراعة إلى حد ما، بينما نغني بأسوأ من صوت ضفدع؟ في الواقع، يجب ترك بعض مجالات الوجود الإنساني لِغموضها، كما كانت دوماً، في قلب الظلال الروحية العميقة للطبيعة البشرية. لا ينبغي لنا أن نفرض الحب، أو الصداقة، أو الموهبة، بقوة القانون، ولا ينبغي لنا كذلك أن نفرض الموت بالقانون.

وأخيراً، فإن «القتل الرحيم» مصطلح يوناني يعني «القتل بدافع الرحمة»، وقد استُخدم في الأصل لوصف توجيه الضربة القاضية للخيول المصابة بجروح بالغة، لكن لا يمكن معاملة الإنسان كما تُعامل الخيول، ولا ينبغي لطبيب بشري أن يتصرف كما لو كان صبي إسطبل!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مِن فتى الإسطبل اليوناني إلى جوزيف منغيله مِن فتى الإسطبل اليوناني إلى جوزيف منغيله



GMT 08:52 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

المتحرِش والمتحرَّش بها والمتفرجون

GMT 08:50 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني!

GMT 08:48 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإعلام في حكومة مدبولي

GMT 08:46 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عباءة تخلعها اليابان

GMT 08:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الفرق بين وزير ووزير

GMT 08:32 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 08:16 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2020 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

التشريح الطبي يحدد سبب وفاة الطفلة "غزلان" في آسفي

GMT 00:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

ظافر العابدين يؤكد أنه لن يخوض سباق رمضان 2019

GMT 14:50 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

توقيف شاب سرق "معزة" من امرأة قروية في بني ملال

GMT 06:38 2018 السبت ,30 حزيران / يونيو

مجدي عبد الغني ينفي.. وبوابة أخبار اليوم تتحدى

GMT 13:29 2016 السبت ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شركة مرسيدس تكشف النقاب عن E63 و E63 S

GMT 08:14 2021 الخميس ,13 أيار / مايو

Tab 9من بلاك فيو تابلت بمواصفات لاب توب

GMT 02:36 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر الدرهم المغربي مقابل الجنيه المصري الخميس

GMT 12:52 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

السيسي وثورة بيضاء على إعلام "الثرثرة"

GMT 07:41 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

الاعلامية ماجدة القاضي تحب العمل في التليفزيون المصري

GMT 08:29 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

نغم منير تطلق تصميمات غير تقليدية من "الكيمونو"

GMT 11:37 2017 الثلاثاء ,08 آب / أغسطس

توقعات أحوال الطقس في كلميم الثلاثاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib