«مرجل المنطقة» وانقلاب هرم المعرفة

«مرجل المنطقة» وانقلاب هرم المعرفة

المغرب اليوم -

«مرجل المنطقة» وانقلاب هرم المعرفة

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

مرجل المنطقة يغلي، تغيرات كبرى وأزمات وتحولات، والحدث السوري ما زال ساخناً، ولم تتكشف أبعاده بعد، مع أن كثيراً من المعلومات والتحليلات العميقة تؤكد مجموعة من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها، وإن أمكن التغاضي عنها مؤقتاً لعوامل متعددة، ولكن من يطلع على ما يُطرح في «السوشيال ميديا» بكل منصاتها الحديثة في العالم العربي، يكتشف ازدحاماً مريعاً للعبث الفكري والسياسي في تناول الحدث.

شابٌ متحمسٌ ومشهورٌ يخوض فيما لا يحسن بأدواتٍ وثيقة الصلة بالانتشار والتفشي، ولا علاقة لها بالسياسة، فضلاً عن الفكر والتحليل، وهو يصل إلى الناس بسرعةٍ وسعة انتشارٍ تربكان الكثير من المتلقين، وهو بحكم طبيعة تفكيره لا يعي أبعاد ما يطرحه، ولا يتحمل تبعته الأدبية؛ لأنه يغير أفكاره مثلما يغير ملابسه.

صناعة الرأي العام مهمةٌ جليلةٌ، وهي بكل الأحوال أكبر من أن تترك لمن لا يحسنها، ولهذا يقع كثير من هؤلاء المشاهير في مطب الترويج لتوجهاتٍ وسياساتٍ لـ«دولٍ» إقليمية أو دوليةٍ و«شركاتٍ» كبرى و«آيديولوجيات» منظمةٍ من دون أن يعي أبعاد طرحه؛ لأن اللهاث خلف «الشهرة» و«التأثير»، مع «الاغتباط بالجهل»، نتيجته معروفة.

رجال المناصب يفتشون دائماً عن «التنفيذ» الدقيق لتوجهات الدولة، وهذا شأن عظيمٌ من دون شك، ومعهم رجال الدولة من أصحاب والفكر والقرار، كلٌّ في مجاله، ولكن شأن المثقفين والكتاب مختلفٌ، فهم على اختلافات بينهم، لدى كلٍّ منهم أفكارٌ مختلفةٌ وزوايا نظرٍ متباينة، يجمعهم الولاء للدولة والقيادة، ثم يفرقهم العلم والتحليل والتبصر في رؤية مآلات الأفكار والأحداث. واختلاف الوظائف والأهداف والجدالات لا يعني إلا مزيداً من القوة لأي دولة أو حضارة بشرية.

يشهد العالم منذ سنواتٍ انقلاباً في هرم المعرفة الطبيعي، الذي ينطلق من «منتجي الأفكار» من فلاسفة ومفكرين ومتخصصين كبار، مروراً بـ«مروجي الأفكار» ومسوقيها من باحثين وكتابٍ، وصولاً إلى من يسمون في الوقت الحالي بـ«المؤثرين»، وهم الذين يذهبون بها إلى مداها الأقصى نشراً وحشداً وإثارةً.

ومن المهم رصد أن هذا «الهرم المعرفي» بات يشهد انقلاباً كبيراً في العالم كله، وهو ما اختار كاتب هذه السطور التعبير عنه بمفهوم «التفاهة الممنهجة» قبل سنواتٍ، بحيث إن هذا الهرم بات يعمل بعكس المنطق السليم، فأصبح «المؤثر» المشهور عبر «وسائل التواصل الاجتماعي» الجديدة وأدواتها الحديثة أهم من «مروج الأفكار» ومسوقها سابقاً، وبات «الفيلسوف» أو «المفكر» في ذيل القائمة، وهذا تقريب للمعنى المقصود بـ«التفاهة الممنهجة»، فكيف إذا أضيف لذلك أن هذه التفاهة أصبح لها رأس في مواقع مهمةٍ، ورأس في «رؤوس الأموال».

يعلم الجميع أن «تركيا» دعمت فصائل إسلامية في الشمال السوري، ونجحت هذه الفصائل بعد تغير في التوازنات الدولية في إسقاط النظام، ودخلت سوريا في تاريخ جديدٍ، ولكن من المهم أن نستحضر أن «الخلافة العثمانية» خرجت من غالبية البلدان الإسلامية، والعربية منها تحديداً، بعد لَأْيٍ مضنٍ وجهدٍ جهيدٍ قامت به الشعوب وقادتها الكبار، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وقد عانى كبار المفكرين والمناضلين العرب من أجل طردها من بلدانهم، وقدموا التضحيات العظام في سبيل ذلك، وسعت تلك الخلافة حينذاك إلى ألا تخرج إلا وقد أورثت تلك الدول للمستعمرين الأوروبيين، تماماً كما فعل بشار الأسد فلم يخرج إلا بعدما ضمن ألا يخلفه إلا الجماعات الأصولية، وكما فعل من قبل صدام حسين بضمان ألا يخلفه إلا متطرفو الشيعة الموالون لإيران، وكما صنع علي عبد الله صالح بضمان ألا يسلم اليمن إلا للميليشيات الطائفية المسلحة.

عوداً على بدء، ففي أثناء سقوط «الخلافة العثمانية» وبعده، بدأت تتشكل الدول العربية الحديثة وفق نفوذٍ استعماري جديدٍ؛ بريطاني وفرنسيٍ في الأساس، ولئن كتب بعض الكتاب عن «القابلية للاستعمار» فكرياً ودينياً واجتماعياً، وهو صحيح، فقد كان من الأولى الحديث عمّن سعى جهده وفق مبدأ «أنا أو الطوفان من بعدي» إلى ألا يسلم البلدان لأهلها، بل للمستعمر الغربي.

بعد الحرب العالمية الأولى، قامت الدول العربية الحديثة على قلقٍ بينها. وبعد سقوط «الخلافة العثمانية» السيئة الذكر، برز اتجاهان مهمان؛ الأول: «الدول» التي سعت لوراثة هذه الخلافة عربياً، فقام الشريف حسين والملك فؤاد وإمام اليمن مطالبين بهذه الوراثة ومتنازعين عليها، وكان عبد العزيز هو الذي صنع الفارق، وفي كتاب «ملوك العرب» لأمين الريحاني وكتابات شكيب أرسلان وغيرهما، تفاصيل لافتة عن تلك المرحلة المهمة.

والاتجاه الثاني كان عبر فكرة أن «الجماعة» المنظمة يمكن أن ترث «الخلافة»، وهي الفكرة التي قادها الأفغاني وعبده، وخرجت منها لاحقاً «جماعة الإخوان المسلمين»، وقد خرجت الفكرة في فرنسا مع الأفغاني وعبده، وفي الهند مع «المودودي»، وورثتها الحركات المنبثقة عن هذا الفكر، في استقلال باكستان، وفي «جماعة الإخوان المسلمين» بمصر التي حظيت منذ نشأتها الأولى بدعم بريطاني سخي، لإضعاف الدولة الوطنية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«مرجل المنطقة» وانقلاب هرم المعرفة «مرجل المنطقة» وانقلاب هرم المعرفة



GMT 09:56 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 09:53 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 09:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

مباراه رمضانية فى الأداء

GMT 09:40 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

مائدة رمزي بالأقصر!

GMT 09:29 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 09:25 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 09:21 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 09:17 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 11:34 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تامر حسني يشيد بأداء عمرو سعد في مسلسل إفراج
المغرب اليوم - تامر حسني يشيد بأداء عمرو سعد في مسلسل إفراج

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 22:00 2023 الثلاثاء ,09 أيار / مايو

الشرطة المغربية تضبط شخصين في مدينة أكادير

GMT 20:45 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تتحدى من يشكك فيك وتذهب بعيداً في إنجازاتك

GMT 20:49 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 05:30 2018 الإثنين ,24 كانون الأول / ديسمبر

الأسواق العالمية تفقد الأمل في مكاسب عيد الميلاد

GMT 06:13 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

داليا مصطفى تُوضِّح أنّ شخصيتها في "البيت الكبير 2" شريرة

GMT 21:03 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

المغربي الأمين يتوج بلقب الزوجي في دوري المستقبل

GMT 00:01 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

انخفاض سعر الدرهم المغربي مقابل الدولار الأميركي الأربعاء

GMT 01:38 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

توقيف أدهم النابلسي في لبنان لاتهامه بالخطف والاغتصاب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib