الأزمة الأخطر روسيا تدخل أوكرانيا

الأزمة الأخطر... روسيا تدخل أوكرانيا

المغرب اليوم -

الأزمة الأخطر روسيا تدخل أوكرانيا

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

موازين القوى الدولية دائمة الحراك، واعتبار أي توافقات دولية تسود فترة من الزمن تطول أو تقصر ثابتة وغير قابلة للتغير يعد خطلاً في الرأي وقصوراً في الرؤية، وليس دخول روسيا إلى أوكرانيا بالقوة العسكرية إلا نموذج لما يجري منذ سنواتٍ من اختلالاتٍ في تلك الموازين لمعطيات وأسبابٍ متعددة.
كيف وصل العالم إلى هذه النقطة؟ مسيرة طويلة لقرنٍ من الزمان فيها «الحرب العالمية الأولى» أو «صراع الإمبراطوريات» التي كانت تعبيراً عن اختلال التوازنات الضعيفة في أوروبا، ثم جاءت «الحرب العالمية الثانية» التي مثلت «صراع القوميات»، وبعدها سيطرت على العالم لعقودٍ «الحرب العالمية الباردة» أو «صراع الآيديولوجيات».
بعد انتهاء الحرب الباردة أصبح «النظام الدولي» ذا قطبٍ أحادي تقوده أميركا وحلفاؤها الأوروبيون، ولكن التاريخ لا يتوقف، وأخذت «الدولة القومية» في روسيا والصين ببناء قوة جديدة بعيدة عن صراع الآيديولوجيات السابق، وقد نجحت الدولتان في تشكيل تغييرات كبرى في موازين القوى الدولية وقوتهما تتصاعد، وتملأ الدولتان الفراغات الاستراتيجية في العالم؛ تلك التي تراجعت عن ملئها أميركا وأوروبا.
للتذكير فقد كتب كاتب هذه السطور من قبل بأننا «نواجه حرباً عالمية باردة جديدة، بشكل أو بآخر، فثمة التقاء جديد للقوى الدولية بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في أوروبا والعالم (الهابطة) من نشوة النظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد، وبين روسيا الاتحادية الصاعدة للعودة بقوة للتأثير الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي»، و«تشهد هذه المراحل الانتقالية بين القوى الدولية عادة اضطرابات كبرى وصراعات دموية، وتجاذبات استخباراتية، وحروباً إقليمية» 2013، وتطور الأمر إلى أن «صارت قاعدة ثابتة لدى روسيا أن تتمدد ما شاءت لها رغبات القوة، ودوافع بسط النفوذ من دون أن تحرك أميركا ساكناً» 2016، حتى تجلى أن «تراجع الدور الأميركي دولياً لم يعد تحليلاً رؤيوياً ولا استشرافاً للمستقبل، بل بات أمراً واقعاً في أحداث مدوية، والتدخلات الروسية والتمدد الصيني يحدثان بالتوازي مع التراجع الأميركي» أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بمعنى أن هذه المعطيات كانت واضحة منذ سنواتٍ وتتراكم إلى أن وصلت إلى هذا الحدث العالمي المدوي.
أخذت روسيا، جزيرة القرم، 2014، ودخلت شرق أوكرانيا، ثم دخلت روسيا إلى سوريا 2015، والتزم الرئيس الأميركي (أوباما) الصمت، وفي رؤيته ورؤية نائبه - آنذاك - الانسحابية من العالم خططا للانسحاب من العراق وأفغانستان، وتم إقرار «الاتفاق النووي» مع إيران 2015، وقد نفذ الرئيس بايدن الانسحاب المستعجل من أفغانستان سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو يبذل قصارى جهده لإعادة إحياء الاتفاق مع إيران في فيينا حالياً.
فكرياً لا أحد يحب الحرب، ولكن واقعياً يجب أن تكون مستعداً لها، وقد تشكلت لدى الغرب فكرة «رفض إرادة الحرب»، ورفض «الاستعداد لها»، ورفض وضع فكرة «القوة» على الطاولة أحياناً، وهذا من ترف الحضارة واختلال الأولويات، وتأثير بعض الأقليات الحقوقية، كالنساء والشواذ، ومن سيطرة اليسار الليبرالي بشكل عامٍ بينما الدول القوية الأخرى في العالم ليست كذلك.
يمكن استحضار أقرب الأحداث، ففي غضون أشهرٍ قليلة، تسلمت «طالبان» من بايدن، دولة أفغانستان، وأقلت طائرة الرئيس الأفغاني غني إلى المنفى، وقد عرض بعض المسؤولين الأميركيين على الرئيس الأوكراني زيلينسكي، المصير نفسه، حسب بعض المصادر، ويبدو أن التنازل لإيران بات قاب قوسين أو أدنى.
سؤال مهمٌ يجب أن يطرح بعناية وحذرٍ، وهو أن «اليسار الليبرالي» الأميركي، ممثلاً في الحزب الديمقراطي وتيار الأوبامية فيه، قد حطم وبوعي هيبة أميركا، فهل ستفضي سياساته القادمة لتحطيم المؤسسات الدولية والنظام الدولي أم لا؟
في مرافعة من الطراز الرفيع ولساعة كاملة تحدث الرئيس الروسي بوتين عن دخول قواته لأوكرانيا، وجمعت مرافعته الحديث عن نقد التاريخ وإعادة بنائه من «الإمبراطورية» إلى «البلشفية» و«الشيوعية»، وصولاً «لروسيا القومية» اليوم، وتحدث عن الدين و«الأرثوذوكس»، واستحضر «صراع السوفيات» مع «الغرب»، وعن «حلف الناتو» والأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية المعاصرة لهذا الصراع، كما تحدث «عسكرياً»، وأسهب في الحديث عن أوكرانيا تاريخياً وسياسياً ودينياً واجتماعياً بتفاصيل معمقة ورسائل كانت قوية وواضحة ودقيقة.
انساقت القيادة الأوكرانية خلف وعود أميركية وأوروبية، وذهبت معها لمدى بعيدٍ، وظنت أنها محمية، ولذلك يعبر رئيسها حالياً بطرقٍ متعددة عن شعورٍ بالخذلان، وقد كان يمكنه تجنيب بلاده والعالم هذه الأزمة الخطيرة لو تحلى بشيء من الواقعية.
المواقف السياسية الأميركية تجاه أفغانستان وأوكرانيا وسوريا وإيران يمكن أن تبعث برسالة للدول القوية في العالم، خصوصاً في الصين، أن الفرصة مواتية لاتباع نهج بوتين و«طالبان» و«النظام الإيراني» في إخضاع أميركا والدول الأوروبية، والخروج بأعلى المكاسب دون خسائر تذكر.
أميركا هي أقوى إمبراطورية في العالم حالياً، وبشكل غير مسبوقٍ في التاريخ، وليس من غرض هذا السياق التقليل بأي حالٍ من الأحوال من شأن قوتها «الخشنة» و«الناعمة» على حدٍ سواء، ولكن رفض استخدام هذه القوة أو التلويح بها أو وضعها على طاولة المفاوضات جعلها قوة بلا قيمة وأنياباً لا تخيف في هذه المرحلة من التاريخ.
هذه الأزمة بالغة الخطورة على البشرية، وهي ليست مجالاً لمزايداتٍ أو اتهاماتٍ، وتحميل للمسؤوليات الأخلاقية لهذا الطرف أو ذاك، فضلاً عن أن تكون مجالاً لتفاهات السوشيال ميديا خطاباً وأفكاراً ومفاهيم، والعمل تجاهها يجب أن يتسم بالعقلانية التامة والواقعية البحتة والتفتيش عن مخرجٍ آمنٍ بعيداً عن المآلات الكارثية التي يمكن أن تصل إليها.
لا توجد أي مقارنة تحت أي معيارٍ في القوة العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، والحديث عن نجاحاتٍ عسكرية أوكرانية ضد روسيا هو للاستهلاك الإعلامي والدعائي فحسب، فالأمور في هذا الجانب محسومة تماماً، ويعرف العالم كله نتيجتها سلفاً.
في أزمة بهذا الحجم وهذه الخطورة، فإن الحديث عن «عقوباتٍ» هو حديث ترف في وقت الحرب فلا توجد عملياً عقوباتٌ يمكن أن تغير شيئاً في المدى المنظور، والصبر والانتظار لا يخدمان أوكرانيا الدولة ولا أوكرانيا الشعب حالياً، وهنا أسئلة ملحة، ما مستقبل أوكرانيا؟ و«ماذا بعد أوكرانيا»؟ وما الذي سيحدث للدول ذات الأوضاع الشبيهة بها على حدود روسيا؟
أخيراً، فأميركا المتراجعة ستسعى لإحراج حلفائها بمواقف سياسية غير نافعة لهم ولا مفيدة تجاه هذه الأزمة، والتوازن حكمة العقلاء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأزمة الأخطر روسيا تدخل أوكرانيا الأزمة الأخطر روسيا تدخل أوكرانيا



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib