الهدر والجوع والعقلانية

الهدر والجوع والعقلانية

المغرب اليوم -

الهدر والجوع والعقلانية

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

سؤال بسيط تُحدد إجابته أشياء كثيرة؛ هل كل الغذاء الذي يتم اقتناؤه من السوق يتم استهلاكه من دون هدر؟

سؤال واحد يبيّن لنا إذا ما كان الشخص وزير اقتصاد جيداً في بيته، أم أنه يشارك صحبة الملايين من البشر في ظاهرة هدر الغذاء الخطيرة جداً.

لنوضح مبدئياً أن الهدر لا يشمل الغذاء دون سواه. بل إن هدر الطعام هو منظومة كاملة ومتعددة من الهدر؛ هدر المال وهدر المنتوجات الزراعية وهدر الطاقة وهدر الماء المستعمل في الزراعة وهدر المناخ وإضعافه... إذن نحن أمام هدر في ظاهره واحد، وفي حقيقته متشعب، وتكلفته تتجاوز كثيراً ثمن الشراء الذي نعطيه للباعة في الأسواق والمتاجر وغيرها من فضاءات البيع.

المشكلة أن الناس لا يتنبهون لفعل الهدر، ولا يدركون كم هي الأموال المهدورة في سلة المهملات. فكل تغيير في السلوك يبدأ أولاً من الانتباه إلى الخلل والخطأ. وفي خصوص ظاهرة هدر الطعام، فإنه لم يحصل بعد ما يعزز حالة الانتباه، الأمر الذي جعل الظاهرة في تفاقم. لنلاحظ أن الحديث عن الهدر مثلاً في بلداننا يتزامن مع شهر رمضان المعظم فقط، وهي طبعاً مفارقة، باعتبار أنه في شهر الصيام يكثر هدر الطعام، ويتحول إلى موضوع من مواضيع الإعلام. وهو في تقديرنا خطأ اتصالي، وذلك من منطلق أن الهدر مناسباتي، والظاهرة دائمة ومتجذرة في نمط الحياة بما في ذلك حياة الفقراء والمحتاجين، وذلك لأننا أمام ثقافة السلوك الاقتصادي.

لنذعن إلى الأرقام، فوحدها تطلق صيحات الفزع، تقول البيانات الدولية إن الهدر كأزمة عالمية هو ظاهرة تشمل ما بين الثلث إلى النصف من الغذاء المنتج عالمياً. يعني إذا كانت أسرة تنفق مادياً على الغذاء 1000 دولار مثلاً، فإنها فعلياً هي لا تستعمل منه إلا النصف، والباقي ترميه في سلة المهملات. والمشكلة أن الأمر لا يخص أسرة أو مجموعة من الأسر، بل نحن نتحدث عن إهدار نحو 931 مليون طن من الطعام سنوياً، وهو رقم مهول جداً، وكي ندرك هوله يكفي أن نفهم أن حجم الطعام المهدور وحده، ومن دون احتساب التكلفة الحقيقية للهدر، يكفي وأكثر لإطعام قرابة مليار جائع في العالم.

الاثنين المقبل، تحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للقضاء على الهدر، الذي يتطلب في الحقيقة استراتيجية اتصالية ذكية وعميقة، حيث لا يمكن تمرير أي رسالة حول ظاهرة هدر الطعام، من دون أن يرتبط ذلك بالحديث عن الجائعين وعن ظاهرة الجوع الحاد الموجعة المنتشرة في العالم. ذلك أن الظواهر تعرف بأضدادها أيضاً. كما أن إدراك الخسائر التي يجلبها هدر الطعام على ميزانيات الأسرة والدول من النقاط المهمة في الإقناع وفي القضاء على هذا السلوك الاقتصادي غير العقلاني، باعتبار أن كل فرد لو وضع في اعتباره أنه يهدر المال ويضعه في سلة المهملات ربما لتوصلنا إلى حالة انتباه أفضل.

وفي هذا السياق، نضع الثقافة الاقتصادية للفرد والأسر في الميزان، ذلك أن الإنفاق دراية وخبرة، وتحديد الحاجيات خبرة أيضاً تكتسب. وهنا يتضح الدور الذي يمكن أن تؤديه جمعيات ترشيد السلوك الاستهلاكي وتربية الناشئة على حسن التدبر وكيفية التصرف في المال.

ونحن نتناول ظاهرة هدر الطعام، من المهم أن نربط ذلك بأن حجم الطعام المهدور يعني أن العالم يستنزف 30 في المائة من الأراضي الزراعية، ويلقي بمنتوجاتها في سلة المهملات، ومعها الماء الذي تُسقى به هذه الأراضي، ونقل المنتوجات الزراعية، وأيضاً تكلفة اليد العاملة، وغير ذلك من المصاريف. وهو ما يجعلنا حقاً نقترب من التكلفة الحقيقية المفزعة لهدر الطعام.

بل إن المناخ كذلك يتضرر من هدر الطعام، حيث إن 7 في المائة من انبعاثات الغازات الدفينة سببها هدر الغذاء.

إننا فعلاً أمام نوع من الهدر الخبيث، الذي في ظاهره هدر للطعام، وفي حقيقته هدر لكل شيء. والمشكلة أن ظواهر الهدر والجوع والفقر تتعايش في البلد الواحد، حتى يمكن أن تكون في الأسرة الواحدة.

لذلك، فإن القضاء على الهدر أو لنقل معالجته لا يكون من طبق الطعام وكيفية التعامل مع الطبق، كما اختارت الأمم المتحدة حملتها هذا العام، وإنما المعالجة تبدأ عندما تمسك بحقيبة النقود، وتدخل السوق لشراء الحاجيات الغذائية: متى اقتصرت من حجم الحاجيات يتم خفض الهدر، وبتكرار التجربة ستثبت الأموال غير المهدورة قواعد جديدة للاستهلاك العقلاني.

فالهدر دليل عالم غير عقلاني، لأن السلوك العقلاني هو الذي يحمل هدفاً، ولا نعتقد أن الهدف المعلن من أي سلوك اقتصادي استهلاكي هو الهدر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهدر والجوع والعقلانية الهدر والجوع والعقلانية



GMT 01:37 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

إيران: خطر النموذج الفنزويلي

GMT 00:25 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

مصادفات باكستان

GMT 00:22 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

إيران والبحث عن شجاعة الاستسلام!

GMT 15:18 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

وجها السقوط

GMT 15:18 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

نقاشٌ مع الكاتب العُماني عاصم الشيدي

GMT 15:16 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 15:54 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

أحمد مكي يتعاقد على بطولة عمل درامي جديد
المغرب اليوم - أحمد مكي يتعاقد على بطولة عمل درامي جديد

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 17:28 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

الوضع مناسبٌ تماماً لإثبات حضورك ونفوذك

GMT 17:05 2019 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

4 تترات برامج بصوت بسنت بكر في خريطة «الراديو 9090» الجديدة

GMT 16:51 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتيح أمامك بداية السنة اجواء ايجابية

GMT 07:30 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

حركة الطيران في أوروبا تستعيد 83 % من زخم 2019

GMT 19:18 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

الإذاعي أحمد يونس يحاور أدهم سليمان في برنامج "كلام معلمين"

GMT 14:41 2022 الخميس ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

مخاوف من تحطم صاروخ فضائي صيني على الأرض خلال أيام
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib