بقلم : طارق الشناوي
لقطتان فى مهرجان قرطاج الغنائى: واحدة تتلقى فيها إليسا (الكوفية الفلسطينية) وتعيدها إلى صاحبها، والثانية ارتدتها بضع ثوان.. أيهما يعبر عن إليسا؟ إجابتى ولا واحدة، لم تكن حرة فى المرتين، طالما أنت أمام الجمهور وفى ظل سطوة (المحمول)، فى هذه الحالة، لا تعبر بالضرورة عن قناعتك.
لو تصورنا أن إليسا دخلت المسرح مرتدية (الكوفية)، فهذا الموقف يعبر بالضبط عن قناعتها الفكرية، ولكن على المسرح يختلف الأمر.
عندما أراد أحدهم أن يجبر عبدالحليم على ارتداء بدلة مرسوم عليها (فنجان) قهوة، قبل غناء (قارئة الفنجان) اعتبرها مؤامرة، بينما عندما قدم له أحد المعجبين فى حفل بتونس الشال الوطنى التونسى، ارتداه وهو فى ذروة السعادة.
هل الناس تطالب الفنان بإعلان موقفه السياسى؟ الإجابة: لسنا ديمقراطيين إلى هذه الدرجة، أقصد بالطبع الأغلبية، لا يتمتعون بالديمقراطية، يطالبون بتطبيقها إلا أنهم فى حقيقة الأمر مع أى موقف عملى يريدون من الفنان أو الشخصية العامة أن يتبنى ويردد بل يتطابق تمامًا مع وجهة نظرهم، وإذا حدث أى هامش من الاختلاف، فى العادة تتغير صورته الذهنية، ويصبح خائنًا وعميلًا وبائعًا للقضية برمتها.
فى الماضى مع بدايات ثورة ٢٣ يوليو، كنت أرى الفنانين وهم مطالبون أمام السلطة بضرورة الغناء للثورة وجمال، ليس معنى ذلك أنهم بالضرورة يتلقون تعليمات، ولكنهم يتحسسون الموقف برمته.. عندما يغنى أحدهم للزعيم يجد الآخر أنه لو لم يُغنِّ ربما تصبح الفرصة مواتية أمام منافسيه لتشويه اسمه، وفى مثل هذه الحالات، من السهل أن يطلق بعضهم على الآخر شائعة تتحول إلى اتهام يظل يلاحقه، ومن السهل إقصاؤه عن المشهد برمته.
بين السياسة والفن قدر لا يمكن إنكاره من التوافق، الكثير من المهرجانات العالمية التى تعلن أنه لا سياسة فى الفن ولا فن فى السياسة، إلا أنها على أرض الواقع تخلط بينهما وتنتصر فى نهاية الأمر لموقفها السياسى، تمنع أفلامًا من المشاركة وترحب بأخرى.. فى الحالتين يجب أن تفتش عن السياسة. سياسة
بعض الفنانين فى هذا الزمن يفضلون الوقوف على الشاطئ، يتجنبون مع سبق الإصرار النزول إلى البحر.. لا نزال نرى مثلًا بعض المطربين فى قائمة الممنوعين، لأن هذا المطرب فى مرحلة زمنية غنى مضطرًا لهذا الزعيم.. عدد من المطربين والمطربات غنوا للأسد، وبعضهم غنى لصدام، وهو ما لا يريد قطاع من الجمهور التجاوز عنه، ولا يشفع له. إن الفنان فى عالمنا العربى، عندما يحقق نجومية، يجد نفسه- شاء أم أبى- متورطًا بضرورة إعلان موقفه.. وإذا تردد، فسوف يجد نفسه خارج حماية الدولة، تلاحقه الاتهامات.
لا أنكر أن بعض الفنانين أعلنوا مواقفهم ضد الحاكم وهو فى السلطة، هؤلاء يمثلون الندرة، الأغلبية تضبط الموجة على ما يريده النظام.
فى أحيان كثيرة، يصبح الحياد جريمة، ومهما حاول الفنان التبرير، فلن يجد هامشًا من السماح.. هناك خط أحمر، على الفنان ألا يتجاوزه، وهو مشاعر الشعوب، عليه أن يفكر ألف مرة، لأن تلك الجراح غائرة فى العمق ومن الصعب أن تلتئم، مهما مر الزمن.
حاولت إليسا أن تقول رأيًا من خلال (الكوفية)، سيظل الباب مفتوحًا: لماذا رفعت (الكوفية) مرة، وأعادتها لمن أرسلها فى أخرى؟ هل وجدتم فى هذا الموقف إجابة ترضيكم؟!.