بقلم : سليمان جودة
لك أن تتخيل أن سياسة التهجير التى سعت حكومة التطرف فى تل أبيب إلى اتباعها مع الفلسطينيين انقلبت إلى هجرة للإسرائيليين أنفسهم من إسرائيل!
هذا ما سوف تفهمه من التقرير الصحفى الذى نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية نقلاً عن مراسلها فى القدس. التقرير يذكر صراحةً أن ١٥٠ ألفاً من الإسرائيليين تركوا إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية!.
أما السنوات الثلاث فهى نفسها السنوات التى شنت فيها حكومة التطرف حرب إبادتها على الفلسطينيين فى قطاع غزة طوال عامين كاملين، بدءاً من السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ إلى أن جرى فى أكتوبر ٢٠٢٥ توقيع اتفاق وقف الحرب فى شرم الشيخ.
طوال عامين لم تتوقف الحرب على الفلسطينيين فى القطاع بالذات، وفى الضفة الغربية بالتوازى، فلما جرى توقيع الاتفاق فى شرم لم تتوقف الحرب فى الحقيقة، وإنما تواصلت على الضفة والقطاع معاً وبالتساوى!.
وفى الشهر بعد المقبل سيكون قد مضى على بدء الحرب ثلاث سنوات، وستكتشف حكومة نتنياهو فى آخر السنوات الثلاث هذه أن حربها على الضفة والقطاع لتهجير الفلسطينيين منهما جاءت بالعكس تماماً، وانقلبت من رغبة فى تهجيرهم إلى هجرة للذين احتلوا أرضهم!.
نفهم من التقرير الصحفى الكاشف فى الصحيفة البريطانية أن الإسرائيليين يمرون بأزمات حادة على المستوى المالى والاجتماعى والنفسى، وأن هذا هو السبب الذى جعل ١٥٠ ألفاً منهم يهربون بجلودهم ويلوذون بالفرار، وأنهم لم يلجأوا إلى الهجرة إلا بعد أن أحسوا بأن الحروب التى شنها رئيس حكومتهم فى كل اتجاه، وبغير مبرر، قد حولت حياتهم إلى حياه تحت الأرض فى الملاجئ أغلب الوقت!. صُحف
لم تذكر الصحيفة شيئاً عن الطريقة التى أحصى بها مراسلها هذا العدد الذى لاذ بالفرار، ومن الواضح أنه رقم تقديرى يمكن أن يكون فى حقيقته أكثر أو أقل، ولكن هذا لا ينفى أن اسرائيليين كثيرين لم يجدوا حلاً سوى الهجرة، وبالتأكيد فإن آخرين سوف يلحقون بهم.. أما الفلسطينيون فإنهم باقون فى أرضهم، وهذا ما سوف يكون بمثابة مفاجأة العُمر لأعضاء حكومة التطرف جميعاً فى الدولة العبرية، فالتهجير انقلب إلى هجرة، والذين خططوا للتهجير وجدوا الهجرة فى انتظارهم.. فيا لها من مفارقة لم تخطر لنتنياهو ولا لرفاقه فى حكومته على بال!.