لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

المغرب اليوم -

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

إن التعرف إلى الروافد التي تصوغ علاقة مجتمعاتنا العربية اليوم بالدين، يقتضي منا تحديدَ أثر «إسلام العلماء» في بلورة السلوك الديني وضبط ملامحه، وهذه نقطة مهمة تساعد في فهم خلفية السلوك الديني، الذي هو في وجه من وجوهه نتاج المرجعيات التي يستند إليها في تصوراته وممارساته الدينية. وفي الحقيقة؛ بوصف مرحلة الشباب هي المرحلة العمرية الأكبر تعلقاً بمسألة الهوية والانتماء والأسئلة الكبرى، فإن السؤال عن صلة السلوك الديني للشباب بمرجعية «إسلام العلماء والفقهاء» يبدو لنا مهماً جداً حتى نقرر الاطمئنان إليها أم القلق من هشاشتها وانحرافاتها، أحياناً، المولّدة أشياء مُهلِكة كالعنف والإرهاب.

فما مدى قراءة الشباب العربي اليوم كُتبَ علماء الدين؟ ومَن العلماء الذين يقرأون لهم وتعرفوا إلى تفسيراتهم وأطروحاتهم الدينية؟

أولاً من المهم توضيح أن عبارة «علماء» في الثقافة العربية الإسلامية التقليدية تعني المختصين في علوم الدين أكثر من المختصين في العلوم الدنيوية، أو في العلوم النَّقلية أكثر من المختصين في العلوم العقلية الذين أُطلقت عليهم صفات «فلاسفة» و«حكماء» و«كتّاب». وتكاد غالبيةُ القراءات تُجمع على أن علماء الدين كانوا يتمتعون بسلطة قوية في النظام الاجتماعي العربي والإسلامي، إضافة إلى الكاريزما التي يحظون بها لدى المجتمع بمختلف فئاته وطبقاته بوصفهم يتميزون بحق إنتاج الخطاب الديني. ومما سبق يمكن استنتاج أن علماء الدين كانوا على رأس المرجعيات المؤطِّرة للسلوك الديني للمجتمع الإسلامي.

فما مكانة علماء الدّين في المجتمعات العربية اليوم، وهل لا تزال على حالها؛ مرجعية أساسية ومؤطِّرة للنظام الديني للمجتمع؟

يبدو أن من يصفهم العلامة التونسي الطاهر بن عاشور بـ«مصابيح الإرشاد»، ويعني بهم القادة الدينيين للمجتمع، مكانتهم قد أصبحت ضعيفة مقارنة بالسلطة التي كانوا يتمتعون بها في المؤسسة الدينية والنظام الاجتماعي العربي على الأقل قبل العقود الثلاثة الماضية.

وإذا ما ركزنا على الشباب العربي الذي يمثل قوة ديموغرافية هائلة في بلداننا، فسنجد، وفق دراسات عدّة أُنجزت في مصر والمغرب وتونس... وغيرها، أنهم لا يقرأون لعلماء الدين ومفكريه، في إشارة تبدو واضحة إلى انحسار دور العلماء وتراجع نفوذ «الإسلام - العالِم» في شبكة مرجعيات السلوك الديني للشباب العربي. أي إن علاقة الشباب بالدين لا تسوسها، لدى السواد الأعظم، النخبةُ الدينية؛ وهي التي كانت السلطة الثانية في النظام الاجتماعي.

لا شك في أن ما لحق بالمؤسسات الدينية في البلدان العربية من تغييرات ذات مدلولات مهمة، قد أثر آلياً على واقع دور العلماء ومدى سيطرتهم على البنى الذهنية للمجتمع، حيث قامت المشروعات التحديثية في غالبية البلدان العربية على تقليص أثر المؤسسات الدينية؛ ذلك إن إطفاء جاذبية علماء الدين، وإضعاف سلطتهم في المجتمعات العربية، قد أعادا بناء نظام اجتماعي لا يقوم على الدور التقليدي للعلماء، وهو ما يفسر الرابطة الضعيفة التي تحكم سلوك الشباب الديني بـ«الإسلام - العالِم».

يبدو أن تراجع دور المؤسسات الدينية، إضافة إلى ضعف التنشئة الدينية في المدارس، قد أديا إلى نوع من ضمور الخطاب الديني وانكفائه على موضوعات وأدوات معرفية لم تستطع إشباع التوقعات الدينية ولا حتى تعديل الفجوة التي حدثت بين المجتمع وعلمائه؛ إذ لا يغيب عن البال أن ضعف الصلة بمؤلفات العلماء يمكن تفسيره بغياب مفكرين يشدون انتباه الشباب: لقد قاربت النخبة الفكرية المسألة الإسلامية، سواء أكان من منظور قانوني أم حضاري أم فلسفي أم سوسيولوجي، من دون اهتمام واضح بضرورة التواصل التفاعلي مع الشبابِ محركِ المجتمع، أو الاقتراب من تطلعاته الدينية. لذلك ظل بعض أسماء هذه النخبة معروفاً بصفتها أسماء؛ أكثر من التواصل مع مؤلفاتهم. بل إن العلماء عند شباب اليوم هم الدعاة الذين يظهرون في القنوات التلفزيونية وعلى «يوتيوب»؛ مما يعني أن هناك خلطاً بالنسبة إلى الشباب وعدم تمييز بين علماء الدين، والوعاظ الذين أصبحوا يسوَّقون بوصفهم العلماء الجدد للدين الإسلامي.

كما يمكن تفسير الاعتماد على الدعاة من ذوي الإشعاع الإعلامي في الحصول على المعرفة الدينية؛ بغياب علماء دين يسدون هذه الثغرة، ويعوضون الفوضى المعرفية الحاصلة اليوم في «الفضاء السمعي البصري الديني العربي». ومن المفارقات أن الدعاة أوسع توظيفاً للفضاء الرقمي والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث إنهم، رغم هيمنة الطابع النقلي الصارم في مضامينهم الدينية، حداثيون في ما يخص توظيف تكنولوجيا الاتصال الحديثة.

طبعاً المقصود بالغياب ليس عدم وجود مفكرين كبار في عالمَينا العربي والإسلامي، ولكن المشكلة أنه عندما نعاين حاجات الشباب العربي المعرفية فسنجد أن هذه النخبة أدارت ظهرها لهم، فكان التركيز من جهة النخبة الحداثية، ومنهم المفكرون: عبد الله العروي، وهشام جعيط، ومحمد آركون... وغيرهم، على قضايا العصر، ومسألة الآخر، والحرية، والاختلاف، والدعوة إلى نقد التراث الديني وإعادة قراءته، إضافة إلى الحوار، وبحث ثنائية الدين والسياسة، وجدليات الدين والمجتمع والإسلام وأوروبا والغرب عموماً... ومثل هذه الإشكاليات، رغم أهميتها، لم تنجح عبرها هذه النخبة في التأثير على جمهور واسع من الشباب العربي، ناهيك بأن هذه النخبة، بحكم طابعها الفكري، قد ترفّعت عن شبكات التواصل الاجتماعي، ومنهم من يترفع عن الظهور في وسائل الإعلام، وإن أُجريت مقابلة تلفزيونية مع أحدهم، فإن الأمر يُعدّ حدثاً. كما أن هذه النخبة؛ التي يحظى بعض منها بشهرة واسعة بفضل الكتابة بالفرنسية فضلاً عن العربية، تتبنى النبرة النقدية العالية في قضايا التأويل التي تطبع أطروحاتهم، والتي ربما تقف وراء ضعف التلقي.

بيت القصيد: عملياً؛ لا أثر يُذكر فيُشكر بالنسبة إلى علماء الدين، والشباب العربي في معظمه يطرق باب الدعاة الجدد طلباً للمعلومة والحقيقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين



GMT 09:56 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 09:53 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 09:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

مباراه رمضانية فى الأداء

GMT 09:40 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

مائدة رمزي بالأقصر!

GMT 09:25 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 11:34 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تامر حسني يشيد بأداء عمرو سعد في مسلسل إفراج
المغرب اليوم - تامر حسني يشيد بأداء عمرو سعد في مسلسل إفراج

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:26 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:33 2018 الأربعاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

أفكار مبتكرة لتجديد غرفة النوم في الشتاء بهدف كسر الروتين

GMT 17:59 2023 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الروبل في بورصة موسكو

GMT 00:18 2021 الأربعاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

الرجاء الرياضي يعلن أسباب الاستغناء عن المدرب الشابي

GMT 05:44 2020 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ماسك المانجو لبشرة صافية وجسم مشدود

GMT 21:44 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك تغييرات في حياتك خلال هذا الشهر

GMT 11:13 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

خادم الحرمين الشريفين يشرف حفل استقبال أهالي منطقة حائل

GMT 21:17 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

هل توبيخ الطفل أمام الآخرين يؤثر في شخصيته؟
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib