حركة «النهضة» وقتل الأب

حركة «النهضة» وقتل الأب

المغرب اليوم -

حركة «النهضة» وقتل الأب

د. آمال موسى
د. آمال موسى

هيمنت الرسالة التي حملت إمضاء 100 قيادي في حركة «النهضة»، يطالبون فيها رئيس الحركة السيد راشد الغنوشي بعدم الترشح في المؤتمر القادم لرئاسة الحركة مجدداً، على الرأي العام السياسي التونسي، وكذلك هيمنت على مختلف المهتمين من خارج تونس بأحزاب الإسلام السياسي وحتى النخب السياسية الحاكمة في بلدان عدة، سواء كانت معارضة ورافضة للإسلام السياسي أو مُتبنية له.

وفي الحقيقة نعتقد أنه اهتمام له ما يبرره: فنحن أمام رسالة من قياديين وأعضاء في الكتلة البرلمانية التابعة لحركة «النهضة»، إضافة إلى كونها رسالة مباشرة وجريئة تطالب الغنوشي بإعلان رسمي وصريح بما يفيد ويؤكد عدم اعتزامه الترشح في المؤتمر القادم للحركة، الذي سينعقد بعد قرابة الشهرين.

لذلك فقد تهاطلت القراءات التي ترى في هذه الرسالة بداية نهاية حركة «النهضة». فهل هذه القراءة ذات مستندات قوية ومُقنعة، أم أنها مبالغ فيها وتقفز على نقاط أساسية في تركيبة الحركة وتاريخها وتجربتها؟

بالنسبة إلى الرسالة المشار إليها لم يكتف أصحابها المائة بالطلب الصريح، ولكن قدموا بعض المبررات يمكن تلخيصها في نقدهم لظاهرة تراجع ما سموه الديمقراطية داخل الحركة، وأيضاً الإعلان عن مخاوف حقيقية ترتبط بالتراجع الانتخابي والسياسي للحركة، بسبب أخطاء القيادة والمقصود في هذا السياق أخطاء رئيس الحركة.

إذن نحن أمام اتهامات واضحة وذات نبرة واثقة عالية ضد رئيس حركة «النهضة»، المتهم بتدهور مصداقية الحركة في صناديق الاقتراع، والمتهم أيضاً بارتكاب أخطاء في مستوى الخيارات تسببت بدورها في التراجع في التصويت الانتخابي، ويمكن أن تتسبب في المزيد من الخيبات.

الظاهر أن الشق المعارض للغنوشي منتبه إلى مواقف الأصوات السياسية غير النهضوية ويتقاطع معها في بعض المواقف، أو أن هذا الشق يُحمل الغنوشي وجود تلك المواقف التي ستتكبدُ وزرها حركة «النهضة» وقواعدها. كما نسجل تفاعل هؤلاء الرافضين لتجديد ترشح الغنوشي لولاية جديدة في رئاسة الحركة مع نتائج سبر الآراء التي باتت تركز على فكرة أن الغنوشي لا يحظى بالثقة اللازمة لدى التونسيين. بمعنى آخر فإن تسويق مثل هذه الصورة للغنوشي وتكرارها في وسائل الإعلام قد خلقا الكثير من المخاوف لدى النهضويين من مدى تأثيرها على الحركة باعتبار حالة الاندغام الموجودة بين الغنوشي وحركة «النهضة» في الواقع السياسي كما في المخيال الاجتماعي التونسي.

من جهة ثانية فإن جبهة المعارضة داخل حركة «النهضة» للغنوشي بدأت تُعبر عن نفسها من فترة مطولة نسبياً، واتخذت شكل الاستقالات حيث تفاجأ الحقل السياسي باستقالات من النوع الثقيل قامت بها قيادات قديمة ومن الصف الأول في الحركة، ونقصد بذلك استقالة السيد حمادي الجبالي وعبد الفتاح مورو، ومنذ أشهر قليلة القيادي عبد الحميد الجلاصي، والأمين العام للحركة السابق زياد العذاري الذي أحدث مفاجأة عندما لم يصوت وهو النائب عن حركة «النهضة» على حكومة الحبيب الجملي المقترحة من «النهضة» آنذاك، ولقد تمت قراءة عدم تصويته تمرداً ضد خيار الغنوشي آنذاك.

إن هذه الاستقالات المتتالية وحدوثها في العلن، وحضور الذين أعلنوا الاستقالة في وسائل الإعلام وتقديم انتقاداتهم للحركة ولخيارات بعينها أمام الملأ، يُمثل منعرجاً في بنية الحركة التي من خصائصها الأساسية الانضباط والسرية، حيث يردد البعض أحياناً ما يحدث في المؤتمرات السرية السابقة للحركة، وأيضاً في مجلس الشورى التابع لها من اختلافات وانتقادات لاذعة مباشرة، ولكن لم تكن تلك الخلافات والاختلافات ومهما كانت عميقة وراديكالية تمس من خاصية الانضباط في الإذعان للقرارات الأخيرة في الحركة. ومثل هذا التغير يعني في قراءة أولية أنه تم هتك بند الانضباط والسرية، وهو هتك مزدوج النتيجة حيث يمكن أن يكون لصالح الحركة وضدها في نفس الوقت.

لذلك يمكن الاستنتاج أن الحراك الذي عرفته حركة «النهضة»، خلال العشرية الأخيرة وانتقالها من طور حركة نضالية في المنفى إلى طور المشاركة السياسية وتبوؤ الحكم بأغلبية نسبية برلمانياً قد فعل فعله في الحركة، خاصة أن المشاركة السياسية والدخول في استراتيجيات التوافق القسري والتحالفات المتنافرة مع خطاب الحملة الانتخابية... أجبر الحركة على التنازلات والحسابات والمناورات وهو ما رفضه العديد من قياداتها.

يتميز الوضع الحالي داخل الحركة بانقسام بين مؤيد لاستمرارية الغنوشي ورافض لها. السؤال الحال هو: هل سيكون مصير رسالة المائة قيادي من «النهضة» مصير العريضة التي رفعت في البرلمان بهدف سحب الثقة من رئيسه الغنوشي؟

الواضح إلى حد الآن أن الغنوشي استطاع تجاوز عقبات وأزمات عدة، وهو ما يعني أن أمر إبعاد الغنوشي عن رئاسة الحركة لا يمكن الحسم فيه بسهولة، وليس فقط لأن أنصاره سيدافعون عنه وعن مصالحهم، ولكن لأن الرجل استطاع بعد نصف قرن من زعامة الحركة أن يخلق نوعاً من التماهي الكبير، الشيء الذي سيتطلب شجاعة غير مسبوقة لقتل الأب رمزياً.
كما أن الانضباط يمكن أن تستعيده الحركة في لحظة الخوف الوجودي، خاصة أن الكثير داخل حركة النهضة يعلم أن المشكل عند النخب التونسية الرافضة لهم لا ينسحب على الغنوشي فقط، بل هو رفض للحركة وفكرها ومشروعها ووجودها بشكل كامل وعام، وأن النخب المختلفة معهم والرافضة للإسلام السياسي لا ترى تمايزاً بينهم.
ونعتقد أن مزيد تغلغل هذه الفكرة قد ينتج عنه نوع من الدفاع عن النفس يمكن أن يحتم عودة الانضباط والعدول عن قتل الأب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حركة «النهضة» وقتل الأب حركة «النهضة» وقتل الأب



GMT 12:11 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

عودة "داعش"

GMT 12:08 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

لبنان يغرق من دون موسيقى...

GMT 12:05 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

الخروج من العزلة الأخطر!

GMT 11:58 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

ماذا ينتظر الاتفاق النووي الإيراني؟

GMT 11:53 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

وسائل الحقد والخراب

كاميلا تظهر ببروش ارتدته الملكة الأم خلال الحرب العالمية

لندن - المغرب اليوم

GMT 07:21 2021 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

طرق تنسيق القميص الجينز مع الإطلالات الشبابية
المغرب اليوم - طرق تنسيق القميص الجينز مع الإطلالات الشبابية

GMT 10:09 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

إغلاق "ميشليفن وهبري" يبعد ممارسي التزحلق في المغرب
المغرب اليوم - إغلاق

GMT 07:55 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

خمسة نصائح من "فنغ شوي"لمنزل مفعم بالطاقة الإيجابية
المغرب اليوم - خمسة نصائح من

GMT 11:11 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري ينفي مزاعم اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي
المغرب اليوم - الأمير هاري ينفي مزاعم اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي

GMT 21:53 2021 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

الروخي بلانكوس يحسم الشوط الأول ضد إشبيلية في "الليغا"

GMT 22:10 2021 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

غرناطة يستعيد توازنه في "الليغا" بثنائية في شباك أوساسونا

GMT 02:04 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

نادي "مانشستر يونايتد" يشدد قبضته على صدارة البريميرليغ

GMT 17:48 2021 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يخطط لتمديد بقاء دياز ضمن صفوفه بعقد دائم

GMT 17:57 2021 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يستهدف تكرار الفوز على تورينو في كأس إيطاليا اليوم

GMT 12:55 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

اتيكيت" قيادة السيارة والأصول التي يجب اتباعها

GMT 19:36 2020 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

اتيكيت" التصرف عند التأخر عن الموعد

GMT 12:28 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور السبت26-9-2020

GMT 21:30 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك تغييرات كبيرة في حياتك خلال هذا الشهر

GMT 21:57 2015 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

ورق العنب مفيد إلى كل مرضى السكري
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Almaghrib Today for Media Production
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2020 ©

Maintained and developed by Almaghrib Today for Media Production
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2020 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib