عام «سَوْقَنَة» القضايا

عام «سَوْقَنَة» القضايا

المغرب اليوم -

عام «سَوْقَنَة» القضايا

آمال موسى
بقلم : د آمال موسى

كثيرة هي الأحداث التي أصابتِ العالمَ بالاندهاش هذا العام. لنقل إنَّ العالمَ عاشَ على وقعِ سياسةٍ مغايرةٍ، ومقاربةٍ للقضايا جديدةٍ وصادمة، مقارنة بالمقاربات السابقة. لذلك؛ فإنَّ السياسة هذا العام، بِدَفعٍ من رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، كانت «دون قفازات ولا أقنعة»، حتى إنّها لم تعد سياسة.

قد تكون سياسة الولايات المتحدة هي نفسها تجاه القضايا، وعلى رأسها الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والعربي - الإسرائيلي، ولكن سياسة البيت الأبيض تجاه هذه القضايا وغيرها، كانت، في الظاهر، مختلفةً عمَّا بدت عليه طيلة هذا العام: كل قادةِ البيت الأبيض السابقين كانوا يطلبون من رئيس وزراء إسرائيل ضبطَ النفس والجلوسَ إلى طاولة المفاوضات. أمَّا الرئيس ترمب، فقد ألغى كلَّ هذا التراث السياسي، واستبدل به لغةً جديدة لا تعترف إلا بالقوة، وتساند صراحةً الكيان الإسرائيلي، وهنا يظهر جليّاً خلع القفازات وعدم الاكتفاء باستخدام حق «الفيتو» في مجلس الأمن ضد كل قرار قد يَمَسّ بإسرائيل.

الجديد في المقاربة السياسية الطاغية هذا العام أنَّ الولايات المتحدة تركت دورَ حارسة العالم لمصلحةِ حراسةِ أمنِها القومي وتجارتِها وحلفائها الذين تجمعهم بها مصالح حقيقية.

لا يهم الولايات المتحدة في سياستها الجديدة أن تكون حكيمة، بل الهدف الأهم هو كيف تنفع نفسَها وتخدم مصالحَها، وتنتصر لفكرة الربح ولسلطة القوة، حتى لو كان ذلك على حساب القيم الليبرالية، كما تعكس ذلك التضييقاتُ التي أَحْكَمَتْها في مجال التجارة الدولية وفرضُ الرسوم الباهظة شبه التعجيزية؛ الأمر الذي لم يسبق أن حدث بهذا الانجراف.

لذلك؛ فإنَّ «السياسة دون قفازات» التي مارسها البيت الأبيض هذا العام بشكل غير مسبوق، هي سياسة تعلن بكل وضوح، ودون خطابٍ مخفي، أنه لا حماية مجانية ودون مقابل، ولا مساعدات دون تلبية خدمات تحددها الولايات المتحدة، وأيضاً «لا مكان للضعيف»، وهي الفكرة الأوضح والأشد صدماً هذا العام. وأكبر مثال يعبر عن سيادة فكرة «لا مكان للضعيف» وأن الأخذ يكون على قدر القوة، هو دعوة ترمب مصر والأردن إلى استقبال أهالي غزة؛ لأنه يفكر في تحويل وجهِ غزة من أرض فلسطينية إلى منتجعٍ سياحي استثماري، وحالياً تُتداول أخبارٌ بشأن مشروع غزة «شروق الشمس»؛ مدينة تكنولوجية! وهنا نطرح السؤال: مَن المفروض أن يخطط لبلده وكيف يريده أن يكون؛ الفلسطينيون أم غيرهم؟

لا شك في أن «مبادئَ السوق» و«مقاربةَ السوق كلَّ شيء على أساس أنه سلعة»، هما اللتان أحدثتا هذا التحول الصادم في كيفية ممارسة السياسة. فحتى إيقاع معالجة القضايا بات هذا العام مختلفاً من حيث السرعة، وكأن كل قضية أضحت ملفاً يُدرَس ثم يُطوى، ودراسته لا تتجاوز معطياتِه الواقعية وميزانَ قياس القوة والضعف.

طبعاً من الجيد ممارسة السياسة دون قفازات، ولكن حتى لو مُورست؛ فينبغي ألا تكون هذه القفازات الحقيقةَ والتاريخَ والحق. فالقفازات، كما نفهمها مجازاً، هي التستر والإخفاء، ولكن عندما نمعن النظر في السياسة التي يمارسها البيت الأبيض؛ تحديداً في الولاية الثانية للرئيس ترمب، فسنجد أنّها مكتفيةٌ فقط باللحظة السياسية الراهنة... فتحديدُ الحقِّ والحجمِ والاستحقاقِ وفقَ السياسة المتشبعة عن آخرها بمبادئ السوق؛ من هوسِ الربح وقانون العرض والطلب والتحالفات من أجل الهيمنة على الأسعار واحتكار تحديدها... أصبح من ملامح السياسة الراهنة إلى درجة يمكن معها الاستنتاج أنَّ روحَ السوق هي التي شكَّلت الممارسة السياسية للولايات المتحدة هذا العام... أي إنَّنا أمام ظاهرة «سَوْقَنَة» السياسة؛ إذا جاز التعبير.

لا شك في أنَّ هذا الطراز الحديث العهد من السياسة خلق نوعاً من الشعور الكبير بالهيمنة وأيضاً الاستفزاز، ولكن السمة الأقوى بروزاً لـ«السياسة من دون قفازات» أنَّها واضحة ولا تتطلَّب صبراً على التأويل، فهي لا تحتاج إلى ذلك أصلاً.

من جهة ثانية، إذا كانت السياسة تقوم على التفاوض وموازين القوى والتكتيك والمراوغة، فإنَّ السوق تظل مختلفة، ولا يمكن معالجة القضايا العالقة منذ عقود وسنوات بمنطق الصفقات ومبادئ السوق المعروفة.

وحتى في «صورة» إتمام الصفقات، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ التسويات قد حدثت بالفعل. ولا يمكن أن ننسفَ التاريخَ ونعيد الكتابةَ من الصفر، فالتاريخُ نفسُه بدأ مع الكتابة. والخمود والإسكات لا يعنيان ألبتة الموت، بل يشيران خُفْيَة إلى «استراحة الجمر تحت الرماد».

لذلك؛ فإنَّ الحديث عن معالجة قضايا عدة هذا العام، بعد أن كانت عالقة ومتروكة للصراعات، إنما هو حديث أذعن لسياسة القوة واللحظة الراهنة، وما عدا ذلك، مُحِيَ من نشرات الأخبار دون أن يُمحَى من ذاكرة الشعوب والجغرافيا وصفحات التاريخ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عام «سَوْقَنَة» القضايا عام «سَوْقَنَة» القضايا



GMT 16:19 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الصعود للقمر كمان وكمان

GMT 16:18 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

أنثروبيك... وأخلاقيّات الذكاء الاصطناعيّ

GMT 03:13 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

آدم.. النبوي.. العيلي!

GMT 03:05 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

آدم.. النبوي.. العيلي!

GMT 03:02 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

اليوم التالى فى الخليج

GMT 02:57 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مواعيد الحصاد

GMT 02:55 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الجامعة العربية و«الناتو»... عاشا أم ماتا؟

GMT 02:54 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

«صعود التوحد»... والطبّ «يتفرج»

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:04 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد
المغرب اليوم - الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد

GMT 16:12 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

ماغي بو غصن تكشف عن أصعب مشهد في مسلسل "بالحرام"
المغرب اليوم - ماغي بو غصن تكشف عن أصعب مشهد في مسلسل

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:01 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

مرق العظام يُساعد على تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية

GMT 04:03 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

السلطة الفلسطينية تدرس إعلان أراضيها دولة تحت الاحتلال

GMT 00:38 2013 الجمعة ,01 آذار/ مارس

"دبي الإسلامي" يعرض الاستحواذ على "تمويل"

GMT 21:58 2021 السبت ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

شرط واحد يفصل أوناجم للعودة إلى أحضان الوداد الرياضي

GMT 01:53 2018 الخميس ,20 أيلول / سبتمبر

مكسيم خليل يبيّن أن "كوما" يعبر عن واقع المجتمع

GMT 07:03 2018 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

نجم مولودية الجزائر يُؤكّد قدرة الفريق على الفوز بالدوري

GMT 19:21 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

فتح الناظور يتعاقد مع المدرب المغربي عبد السلام الغريسي

GMT 13:29 2017 الأحد ,26 آذار/ مارس

طرق تجويد التعليم
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib