البيت الأبيض وامتياز التفاوض

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

المغرب اليوم -

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

آمال موسى
بقلم : د آمال موسى

أن تكونَ رقماً في عالم اليوم حتى لو كان صغيراً فذاك يتطلَّب منكَ أن تكون منتبهاً، وصاحبَ قدرةٍ على توجيه الأمور إلى حيث لا تتأذى مصالحك. ومن غير الممكن أن تمارس السياسةَ وتتم المحافظة على الحد الأدنى من المصالح ومن القوة دون أن تكون عينك على السياسة الدوليّة ومهندسيها، وفي أحسن الحالات المشاركة في تشكيل قبضة اليد التي ستمسك بالعالم وتسيِّره.

بأكثر وضوح: إنَّ موقع أي دولة اليوم يتحدّد من خلال علاقتها بالولايات المتحدة. فالحقيقة أنَّه على الرغم من أن النظام العالمي آخذ في التغير، فإنَّ الولايات المتحدة ظلَّت الرقم الصَّعب في عملية التغيير. بل إنَّه حتى الكلام منذ سنوات عن قرب تشكل نظام عالمي جديد يظلّ كلاماً لا يمكن التعامل معه بوثوق ويقينية. كما أنَّ اعتبار تراجع دور أوروبا وصعود الصين كقوة كبيرة إلى جانب ظهور قوى إقليمية أخرى، إنما يمثل مستندات تدعم فكرةَ ظهور نظام عالمي جديد في قادم الأحداث والأشهر والسنوات القليلة لا أكثر ولا أقل، حيث إنها أطروحة قابلة للتأكيد تماماً مثلما هي مفتوحة على الدحض.

لا يمكن تشكل نظام عالمي جديد والولايات المتحدة هي القوة الأولى بالأرقام والأحداث. بل إن التغييرات التي يتوقف عندها بعض الباحثين في السياسة الدولية، ليست أكثر من تغييرات فرعية لا تشمل المركز العالمي ومنطقة ثقله الكبرى.

ولا يخفى أن رئيس الولايات المتحدة الحالي دونالد ترمب قد أسهم، بحضوره العام خطاباً ونبرةً وفعلاً، في تأكيد هذه الفكرة وكبح جماح الفكرة التي تروّج منذ سنوات والقائلة بظهور نظام عالمي جديد سيتغيّر فيه نفوذ الولايات المتحدة. ذلك أنَّ الولايات المتحدة قبل الرئيس ترمب قوية فعلاً، ولكن دون صوت عالٍ ودون حمل العصا باليد وبالمباشراتية الحاصلة اليوم. لذلك كانت هناك قوة أولى، ولكن مخاتلة ومتمنعة في الهيمنة المباشرة والمفضوحة. بينما الأمر مع السيد ترمب هو دون قناع أو مخاتلة حيث الولايات المتحدة تهدّد وتتوعّد وتفعل وتصف ما تفعله، وما تريد القيام به صراحةً ودون أي التفاف لغوي، وهو في الحقيقة أسلوب لم تعهده السياسة الدولية من قبل في الرؤساء الذين دخلوا البيت الأبيض على امتداد العقود الماضية.

إذن عالم اليوم تقوده الولايات المتحدة، وهي معلومة واضحة للجميع، ولكن ليست بالوضوح اللازم في عقول الدول كافة. بالوضوح فقط يمكن بناء تصور وخطة طريق.

أكثر دولة في العالم تمتلك عقلاً استوعب هذا المعطى بشكل كامل ومبالغ فيه هي إسرائيل. وبنت على هذا المعطى تحركاتها وسياساتها وطموحاتها.

وإذا ما تمعنّا في هذا المعطى كما يجب فسنجد أن غالبية الدول العربية استوعبت الفكرة من دون أن توفر مستحقات ذلك. أي إنَّها تدرك أنَّ الحل والربط في العالم بيد الولايات، ولكن مع ذلك لم تسعَ إلى بذل جهد من أجل أن يكون الرابح في لعبة الدخول إلى البيت الأبيض إيجابياً، أو على الأقل محايداً في قضايا الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي بشكل عام.

ما حصل هو أنَّنا نمارس -في الأغلب- السياسة الدولية بعفوية واعتباطية خلافاً لإسرائيل التي درَّبت نفسَها من يوم تشكّلها على أن تنام وعينُها مفتوحة على البيت الأبيض ومطبخه السياسي، ولم تترك الأحداث تسير بعفوية ولو فعلت لما ظلَّ كيانٌ يسمى اليوم إسرائيل.

إسرائيل موجودة بقوة في الولايات المتحدة، سواء كان ذلك في اقتصادها أو الكونغرس أو في المؤسسات، الشيء الذي جعل منها فاعلة في صياغة القرارات وفي تحديد ميزان القوى، وأيضاً فاعلة ظاهراً وفي الخفاء في العملية الانتخابية الرئاسيّة، حيث تتحرى عن المترشحين للسباق الرئاسي وتختار الأقرب إلى طموحها الشرق الأوسطي لتقوم بالدعم اللازم ضماناً لدخوله البيت الأبيض. وهنا الإنفاق هو من أجل أمن إسرائيل.

آما نحن ولأنَّنا كثرٌ ومشتتون فلم نفكّر في الأغلب أن يكون لنا دورٌ حيوي وفعال داخل الولايات المتحدة، رغم حجم الجاليات العربية والمسلمة. لدينا رأسمال مهم، ولكن دون استثمار. وحالنا هو أننا نمارس خياراً سلبياً غير مؤثر، لأن ساكن هذا البيت يمكن أن يسحب منّا كل ما تبقى لدينا، أي إن المسألة مسألة وجود، وتستحق أن نتوحد من أجلها وننفق على تأمينها.

هكذا فقط يمكن امتلاك امتياز التفاوض مع الولايات المتحدة. أما الاكتفاء بمشاهدة أهم انتخابات في العالم فقط، فهذا أمر قد يكلفنا الكثير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البيت الأبيض وامتياز التفاوض البيت الأبيض وامتياز التفاوض



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 21:17 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:03 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 09:35 2022 الثلاثاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الفن وتهذيب السلوك والاخلاق

GMT 23:11 2021 الجمعة ,15 تشرين الأول / أكتوبر

أفضل الأماكن السياحية لقضاء شهر العسل في سويسرا

GMT 22:43 2014 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

تصويّرُ العروسيّن غيّر التقليّدي الأحدث والأفضل

GMT 07:55 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

"فيات كرايسلر" تستدعي حوالي 500 ألف شاحنة حول العالم

GMT 19:20 2023 الجمعة ,10 آذار/ مارس

بورصة البيضاء تستهل التداول بارتفاع طفيف

GMT 23:31 2022 السبت ,02 إبريل / نيسان

بايدن يهنئ المسلمين بحلول رمضان بآية قرآنية

GMT 06:58 2021 الثلاثاء ,20 تموز / يوليو

مانهارت تجري تعديلات على لاند روفر Defender
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib