التطبيع بين الأدب والذكاء الاصطناعي

التطبيع بين الأدب والذكاء الاصطناعي

المغرب اليوم -

التطبيع بين الأدب والذكاء الاصطناعي

آمال موسى
بقلم : د. آمال موسى

تكمن مشكلة الإنسانية في جزء كبير منها في كيفية استخدام المنجزات الحضارية والابتكارات والاختراعات التي تقوم بها. فالخطر يحصل حين يطرأ خلل في كيفية استعمال أي منجز مهما كان بسيطاً. لذلك؛ فإن مربط

الفرس هو كيف يتم استخدام الأشياء باعتبار أن تحويل وجهة الاستخدام والانحراف عن قائمة دواعي الاستخدام هما المشكلة الرئيسة على مدى التاريخ الإنساني.

لنعطي مثالاً على ذلك: السكين تم ابتداعه لتقطيع الخضراوات واللحوم وتلك هي وظيفته، ولكن هذا السكين بسبب انحراف الاستخدام فإنه مثل أداة جريمة قتل لآلاف من البشر إن لم يكن أكثر. وقس على ذلك أمثلة لا تُحصى ولا تُعد.

هذه الظاهرة المتكررة في خصوص انحراف استخدام المنجزات وتحويل وجهتها عن أهدافها الأولى والأصلية تنسحب أيضاً على الذكاء الاصطناعي الذي يمثل ثورة حقيقية ذات منافع في تيسير حياة النّاس، من ضمن ذلك مثلاً مزايا استخدامه في مجال التطبيب عن بعد وتشخيص الأمراض... ولكن يعرف حالياً الذكاء الاصطناعي عمليات عدّة من تحويل الوجهة؛ مّا يخلق حالة من القلق الحقيقية نظراً لفداحة الانحرافات وتأثيرها على مسلمات قوية قامت عليها التصورات الأخلاقية والإبداعية وحتى الحقوقية القانونية لمجالات حساسة.

فمن منا كان يتخيل أن يُقدِم البعض على استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج أعمال أدبية إبداعية مثل الشعر والرواية وتقديمها لدور النشر باعتبارها إبداعات خالصة تحمل توقيعات أصحابها؟

أولاً، قبل الإجابة عن هذا السؤال من المهم توصيف هذا الانحراف في استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الإبداع الأدبي بكونه غشاً لا لبس فيه. والأمر لا يتصل فقط بأن أعمالاً عدة افتقدت إلى المراجعة والإصلاح وتضمنت جملاً كشفت عملية الغش فحسب، بل إن المسألة مبدئية تعود إلى طبيعة الفعل الإبداعي وشروطه وما يميز المبدع الحقيقي من خيال خصب وقدرة فردية ذاتية على صنع عوالم سردية مدهشة وصنع المجاز وإنتاج الصور المدهشة في مجال الشعر. فالإبداع هو الخلق على مقاس الإنسان ومن خلاله تظهر قيمة الإنسان وقيمة خالق الإنسان. لذلك؛ فإن مد الذكاء الاصطناعي برؤوس أقلام من فكرة وطلب إنتاج رواية، فهذا انحراف خطير جداً لأنه أولاً يعتدي على ماهية العملية الإبداعية، إضافة إلى أن الإبداع ليس شرط وجود ونجاح كل الناس. فهو ميزة استثنائية وملكية يختص بها بعض الأشخاص من دون سواهم. وليس من المفترض أن يقوم البعض بالغش وتقديم أنفسهم من طريق الاحتيال أصحاب إبداعات.

ولو تم القبول بهذا الانحراف فهذا يعني أن الجميع سيتحول مبدعاً اصطناعياً، وهذا فيه تهجين للإبداع وقتل للمبدعين الحقيقيين. كما أن تراجع معدلات القراءة والمطالعة ستتضاعف مرات ومرات بحكم تهديد هذه الظاهرة لمصداقية عالم الإبداع الأدبي وهيبته.خرائط

من ناحية ثانية، وهنا نشير إلى البعد الأخلاقي وحقوق الملكية الفكرية، من المهم أن نوضح نقطة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يملك الخيال الذي يملكه الإنسان خليفة الله في الأرض والذي خصه بالعقل والخيال. فالذكاء الاصطناعي قوته في تشبيك البيانات والأفكار وإنتاج ما لا يحصى من الخلطات الناتجة من قدرة غير متناهية على التوليد استناداً إلى محرك المعلومات. ومثل هذه النقطة تعني أن القصيدة أو الرواية التي سنحصل عليها باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي إنما هي تقوم على سرقة من أعمال ولكن سرقة صعبة الإثبات ومتصرف فيها بشكل أنها لم تعد تلك الفكرة المسروقة.

إذن، وبناءً على بداية الانفلات ومحاولات البعض سراً وجهراً التطبيع مع هذه الظاهرة الخطيرة التي تثير استهجان الكثير كما حصل في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة، فإن مسؤولية دور النشر تبدو دقيقة وكبيرة جداً للتصدي لهذه الظاهرة المسيئة للإبداع. ذلك أن اللجوء إلى لجان قراءة دائمة وذات سمعة أكاديمية وإبداعية مرموقة بات شرطاً لا يمكن القفز عليه حتى نضمن سلامة الأعمال الأدبية الصادرة عن دور نشر من الغش. وفي الحقيقة، ربما تكون هذه الظاهرة على سلبياتها الحافز لاستعادة دور النشر دورها التاريخي في اكتشاف المبدعين الحقيقين وفي الصرامة في التدقيق اللغوي وضمان جدة العمل الإبداعي ونقاوته من كل شبهة ممكنة.

ولا شك طبعاً في أن هذه الظاهرة من المنتظر أن تدفع بالإعلام إلى إعلاء شأن النقد الثقافي لدوره في التمييز بين الغث والسمين والإبداع المحض والإبداع المغشوش.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التطبيع بين الأدب والذكاء الاصطناعي التطبيع بين الأدب والذكاء الاصطناعي



GMT 23:28 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة جميلة من الأزهر... لكن العقبة إيران

GMT 23:26 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نكتة الموسم… وساطة إيرانية في اليمن

GMT 23:24 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هوبز وفيبر أم نوّاف الموسوي؟

GMT 23:22 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هل من ضوء فى نهاية النفق؟

GMT 23:20 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة فى المغرب

GMT 23:18 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

الكونغ فو والخلايا الجذعية

GMT 23:15 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أمريكا التى عرفتها !

GMT 23:13 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

عادل إمام يطل على (الجونة)!!

إليسا تتألق بصيحة الفساتين بالأكتاف المنسدلة بالتزامن مع عيد ميلادها

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 06:37 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
المغرب اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 11:58 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

حسام حسني يحلّ ضيفًا على برنامج "من غير سياسة" الإذاعي

GMT 20:33 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 16:04 2021 الإثنين ,20 كانون الأول / ديسمبر

محمود التركي مسك ختام حفلات مهرجان "أم الإمارات" في أبوظبي

GMT 12:48 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 26-9-2020

GMT 08:30 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

اعتقال قاصر اعتدت على تلميذة بشفرة حلاقة في الدار البيضاء

GMT 02:25 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

أضيفي البهجة على ديكور منزلك في احتفالات عيد رأس السنة

GMT 10:39 2019 الأحد ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

ثلاث هزات أرضية تضرب إقليم الحسيمة

GMT 14:49 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الفيفا يحدد نظام تأهل ثلاث فرق إفريقية لمونديال الأندية

GMT 13:29 2019 الجمعة ,30 آب / أغسطس

فضية وبرونزية للمغرب في سباق الماراطون
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib