تضليل الوعي الصحي ودور الإعلام

تضليل الوعي الصحي ودور الإعلام

المغرب اليوم -

تضليل الوعي الصحي ودور الإعلام

آمال موسى
بقلم : د. آمال موسى

لا نختلف في قوة تأثير وسائل الإعلام ودورها الوظيفي المهم في حياة الأفراد والمجتمع. غير أن اتجاهات هذه القوة تتصل بشكل مباشر بعمق طرح المواضيع وكيفية التناول ومستندات المقاربة الاتصالية.

ما نلاحظه هو أن كيفية معالجة المواضيع لا تزال تفتقد إلى البعد المعرفي، الذي يجعل وسائل الإعلام تقوم حقاً بوظيفة مهمة وذات فائدة. لنوضح هذه الفكرة أكثر سنعتمد على مثال كثير التداول في البرامج الإعلامية وتحديداً في فصل الصيف يتضاعف تناوله في الإذاعات والقنوات، باعتباره من الموضوعات شبه القارة في المعالجات الإعلامية.

هذا المثال هو موضوع السمنة، وما أدراك ما السمنة. وتتردد غالباً تلك الجملة التي لا تكاد تغيب عن كل الإعلاميين الذين عالجوا مسألة السمنة: «السمنة مقبرة الجمال». ونعتقد أن هذا الموضوع بالتحديد هو المثال الأقوى على ضعف التناول الإعلامي وعدم قدرته على وضع محاور ذات صلابة معرفية، حيث إن السمنة يتم تناولها من زاوية تجميلية شكلية لا من ناحية صحيّة. بمعنى آخر، فإن التناول الإعلامي لموضوع مهم عندما يكون محدوداً، فإن المعالجة تكون ضعيفة مع العلم أنه في الموضوعات الخطيرة مثل السمنة مثلاً، ينحرف ضعف المعالجة إلى ما يشبه تضليل الوعي. لذلك فإنَّ الحديث عن السمنة في وسائل الإعلام كمقبرة للجمال، وكيف يتم إنقاص الوزن والتخلص من «الكرش» استعداداً للسباحة وللأفراح والمسرات، ومن أجل متابعة الموضة والتقليعات الجديدة التي تناسب صاحبات الأجساد النحيفة... هذه المقاربة ليست مناسبةً لموضوع في خطورة السمنة، التي هي مسألة لا تعني النساء وليست موضوعاً جندرياً كما يُسوق له بقدر ما تشمل الجنسين، إضافة إلى كونها لا تخضع حصرياً لمعايير الجمال بقدر ما هي مسألة صحية أولاً وثانياً.

السؤال: ما الذي يمنع من الخوض في موضوع السمنة باعتماد مقاربة صحية، واستخدام معطيات صحية وفي النتيجة سنحقق أهدافاً صحية تصب في بعد من أبعادها في المظهر والشكل الخاضع لمقاييس الجمال الراهنة؟

إن موضوع السمنة يستحق أن يكون من الموضوعات القارة في برامج وسائل الإعلام ليس لأن ذلك يندرج في الخطاب الإعلامي الذي يُسوق للمظهريّة والصورة المعولمة للجمال، خصوصاً أن السمنة تكلف الاقتصاد العالمي خسائر فادحة تقدر بـ1.2 تريليون دولار سنوياً كعلاج طبي مباشر. بل إن الاتحاد العالمي للسمنة يتوقع أن تتخطى القيمة الإجمالية الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة 4 تريليونات دولار سنوياً بحلول سنة 2035. علمالاقتصاد

من هذا المنطلق فإن عملية الإقناع بمقاومة السمنة ومعالجتها لا تكون بمستندات المظهرية والموضة، بل باعتماد منهجية صحيحة وقوية: فالسمنة من أسباب ظهور 200 مرض مختلف، وهي السبب في مرض السكري وهي المسؤولة عن 70 في المائة من إجمالي تكاليف علاج السكري. وترتبط السمنة 23 في المائة من فاتورة علاج أمراض القلب عالمياً، إضافة إلى العلاقة الوطيدة بين السمنة ومشاكل الجهاز الهضمي والتنفس. ومن منطلق كون السمنة هي السبب الرئيسي في غالبية الأمراض الموصوفة بالمزمنة، فإن 8.4 في المائة من إجمالي ميزانيات الصحة في العالم إنما تنفق على الأمراض المرتبطة بها.

السؤال: هل إثارة موضوع السمنة من منظور الشكل والرشاقة وثقافة المظهرية أقوى وأكثر أهمية ومصداقية معرفية وصحية وإعلامية، أم التركيز على علاقة السمنة بأمراض القلب والسكري والجهاز الهضمي والرئتين؟

أظن أن الانحراف بموضوع السمنة الخطير على الصحة والمكلف اقتصادياً إلى زوايا نظر ثانوية جداً، إنما يمثل، إذا ما أردنا التحلي بالجدية التامة، تضليلاً إعلامياً، حيث إن التركيز على الثانوي وتجاهل الأساسي هو انخراط غير واعٍ في ثقافة التشييء، والحال أن امتلاك الخلفية المعرفية الصحية سيمكن الإعلام من إصابة كل الأهداف مجتمعة الصحية والمظهرية.

وباعتبار أن السمنة والأمراض المرتبطة بها، حسب التقارير الدولية، ستؤدي إلى خفض متوسط العمر المتوقع بمقدار ثلاث سنوات بحلول عام 2050، فإن المسألة ليست موضوع صحافة منوعات وترفيه وجمال وصيف وإعجاب وانجذاب... بل حياة وصحة ومأمول الحياة ومقبرة صحة لا مقبرة جمال فحسب.

إن الميديا والمعرفة اليوم وجهان لعملة واحدة، ولم يعد ممكناً ممارسة الإعلام دون خلفية وبيانات دقيقة ومنهجية ورؤية ووجهة نظر علمية. في الأمس كان الخبر هو مفتاح الإعلام المهني، ولكن التطورات في مجال تكنولوجيا الاتصال جعلت من الخبر سلعة ذات صلاحية قصيرة جداً وفي متناول كل وسائل الإعلام اليوم، في حين أن كيفية الطرح والتناول وما يقدم من معلومات تساعد على الفهم والإلمام. كل هذا أصبح عنوان الإعلام المحترف والمميز والجدير بالتقدير والمحقق للفائدة والتأثير الإيجابي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تضليل الوعي الصحي ودور الإعلام تضليل الوعي الصحي ودور الإعلام



GMT 22:15 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

عنق الزجاجة

GMT 22:13 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

نحو تحالف دولي ضد «قاعدة» الصومال والحوثي

GMT 22:11 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 22:11 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 22:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 14:27 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 14:26 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 14:24 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 17:54 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 18:18 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

أترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib