حزب البعث اللبناني أهمية ما ليس مهماً

حزب البعث اللبناني: أهمية ما ليس مهماً

المغرب اليوم -

حزب البعث اللبناني أهمية ما ليس مهماً

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

هناك أحداث قليلة الأهميّة إلاّ أنّ قلّة أهميّتها هي تحديداً ما يمنحها الأهميّة. والمقصود هنا تغيير اسم «حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ» في لبنان إلى «حزب الراية الوطنيّ».

أمّا مصدر الأهميّة الأوّلُ فانتماء الحدث المذكور إلى تلك الحالات القليلة التي لا يُلمس حضورها إلاّ عند احتضارها. ذاك أنّ الانتباه إلى هذا الحزب، الذي لا يُرى إلاّ بالمجهر، لم يحصل إلاّ بعد تغيير اسمه.

وأمّا مصدر الأهميّة الثاني فمفارقةٌ تتعلّق بالاسم نفسه. فقد لا يكون مألوفاً وجود أجسام بلا أسماء، غير أنّ وجود أسماء بلا أجسام فهذا يشبه المستحيل. صحيحٌ أنّ الأحزاب النضاليّة كثيراً ما تحايلت على استحالة كهذه، واندفعت بعيداً بقوّة العُظام الممزوج بتزوير الواقع: فلطالما شاهدنا بضعة شبّان يسمّون أنفسهم «حزباً» للطبقة الكادحة الفلانيّة، أو «طليعة» للحركة المناضلة العلاّنيّة، أو «جبهة» تنضوي فيها تيّارات وقوى جماهيريّة شتّى... لكنّ الصحيح أيضاً أنّ حزب البعث في لبنان يبقى أمراً أشدّ تعقيداً. فهو امتداد لحالة بالغة الجدّيّة حكمت بلدين عربيّين كبيرين لعشرات السنين، وقطعت شوطاً بعيداً في تدميرهما. إلاّ أنّ «البعث» بقي، في شائع الوعي العامّ، شيئاً لا يحصل في لبنان. فهذا الأخير ليس المكان الصالح للانقلاب العسكريّ الذي احترفه ضبّاط «البعث» في البلدان المجاورة. وقد سبق لحزب آخر، هو «السوريّ القوميّ الاجتماعيّ»، أن تمتّع بذكاء حادّ دفعه، في 1949 وفي 1961، إلى تنفيذ انقلابين تحوّلا مهزلتين مطنطنتين. كذلك فشعار الوحدة العربيّة العابرة للحدود لم تنشأ له في لبنان قاعدة صلبة تسعى إلى استبدال بلدها بتلك الوحدة، وإن ظهرت قوى تستخدم ذاك الشعار لأغراضها الفئويّة. وفي المقابل، لم يستطع «البعث» اللبنانيّ، ولأسباب عدّة، أن يكون الطرف الذي يمثّل التذمّرات الطائفيّة ويقودها، وإن استطاع دائماً أن يلتحق بالأطراف التي تمثّل تلك التذمّرات، أو تُجيد توظيفها، كالمقاومة الفلسطينيّة و»حزب الله» وأجهزة الأمن الأسديّة.

والحال أنّ تغيير اسم الحزب، وهو على ما يبدو أهمّ ما فيه، لم يترافق مع تغيير القائد الذي هو السيّد علي حجازي، علماً بأنّ الأخير لم يتسنّ له الانتساب إلى صنف «القادة التاريخيّين الخالدين» ممّن لا يمتازون عنه، والحقّ يقال، بأيّ من الصفات والمزايا. فكيف، والحال هذه، فقدَ الحزب تماسّه مع أوضاع جديدة فيما لم يفقد قائده هذا التماسّ؟

ولا بدّ، بالمناسبة، من التعريج على العلاقة بين الاسم والمهمّات الموكلة إلى المسمّى. فاختيار «حزب الراية الوطنيّ» يذكّر بنشرة «الراية» التي أسّسها بعثيّون موالون لصلاح جديد في سوريّا قبل أن يستولي عليها بالقوّة، وعلى جاري العادة، البعثيّون الموالون لحافظ الأسد. لكنّ من اعتمدوا هذا الاسم الذي لا يقول الكثير، بل يشابه أسماء النوادي الرياضيّة، يصفون أنفسهم وتغييرَهم اسمَهم بأوصاف لا يدّعيها لنفسه أيّ نادٍ رياضيّ. فهم يقولون: «لقد جاء التغيير امتداداً ناضجاً لمسيرتنا لا خروجاً عنها، في خطوة تعبر عن وعينا لحجم المرحلة وتغيراتها وتمسكنا بموقعنا الطبيعي في قلب المواجهة وفي قلب الدفاع عن الناس والوطن والأمة، نحن اليوم لا نعلن اسماً جديداً فحسب، نحن نعلن إرادة متجددة ورؤية أوضح وانطلاقة تستند إلى المراجعة الصادقة لا إلى الظرفية الموسمية».

لقد أوحى الحزب بأنّ تغيير اسمه إنّما جاء لملاقاة تغيّرات المرحلة، أو بلغته: «نتجه إلى مرحلة جديدة مختلفة عنوانها الانفتاح والتلاقي والحوار من دون أي تخلٍ عن الثوابت»، وللغرض هذا أضاف الأرزةَ إلى علَم الراية، أي علَم العلَم، «لأنّنا من جذور هذه الأرض، جئنا من صميم تاريخها وألمها».

لكنّ ما لا يريد أصحاب الاسم الجديد الاعتراف به أنّ «الثوابت» البعثيّة أكثر ما حال دون «الانفتاح والتلاقي» بين اللبنانيّين، وأنّ جائزة الترضية الممثّلة بتضمين العلم الحزبيّ أرزةً أقربُ إلى أطفال كسالى يتذاكون ويحتالون على معلّميهم تبريراً لتهرّبهم من أداء واجباتهم المدرسيّة.

والأمر كلّه بات، في آخر المطاف، مادّة للسخرية والتندّر اللذين يضاعفهما أنّ بعثيّين آخرين في لبنان، يتزعّمهم النائب السابق عاصم قانصوه، رفضوا بقوّة تغيير الاسم التاريخيّ، وشهّروا بالمُغيّرين. والمذكورون هم الذين سبق أن انشقّوا عن السيّد حجازي أو انشقّ هو عنهم، تاركين للمراقبين تأويل الخلاف بالتنافس على مدى القرب من «الرفاق» في الأمن السوريّ. لكنْ لئن فاقت رداءةُ من يتمسّك بـ»البعث» رداءةَ من يتخلّى عنه، بقي أنّ السخرية والتندّر يختلطان بكثير من القرف الذي أثاره، قبل أيّام قليلة، شريط «الرفيقين» بشّار الأسد ولونا الشبل، وهما يتداولان في أصول الحكم والحاكميّة والنظرة إلى الشعب والعالم.

يبقى أنّ الأهمّ في ما خصّ الظاهرات غير المهمّة هذه أنّ بعضها راح يغيّر اسمه وبعضها جعل يغيّر جلده والآتي، في أغلب الظنّ، أعظم.

أمّا أن يكون الدَعِيّ قد كذب بما ادّعى، على ما قال الشاعر البعثيّ، وأنّ «البعث» لن يتصدّع، فهذا موضوع آخر لقصّة أخرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حزب البعث اللبناني أهمية ما ليس مهماً حزب البعث اللبناني أهمية ما ليس مهماً



GMT 07:07 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

المرأة والخطاب المزدوج

GMT 07:05 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كلتاهما تكذب

GMT 07:00 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

إدارة الثروة المصرية!

GMT 17:07 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

لبنان يرفض الساعة الإيرانيّة

GMT 17:03 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 17:00 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 16:57 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 16:55 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:51 2017 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

تنظيم دوريات رياضية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

GMT 17:58 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

رؤية الإسلام في ظاهرة ختان الإناث خلال "الجمعة في مصر"

GMT 16:03 2023 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل العطور الرجالية لهذا العام

GMT 07:04 2019 السبت ,19 تشرين الأول / أكتوبر

وكيل الخارجية الأميركية يزور الإمارات والسعودية

GMT 21:05 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أجواء هادئة خلال هذا الشهر

GMT 10:29 2019 الأربعاء ,22 أيار / مايو

اهتمامات الصحف المصرية اليوم الأربعاء

GMT 13:04 2014 الثلاثاء ,22 إبريل / نيسان

كشف سرطان الثدي المبكر ينقذ 90% من الحالات

GMT 00:32 2024 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

أتالانتا ينفرد بالقمة بتعادل صعب أمام لاتسيو

GMT 09:41 2024 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أفضل ألوان الديكور لغرفة المعيشة المودرن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib