قوّة إسرائيل المقلقة بين تعطيلها وتفعيلها

قوّة إسرائيل المقلقة بين تعطيلها وتفعيلها

المغرب اليوم -

قوّة إسرائيل المقلقة بين تعطيلها وتفعيلها

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

مرّةً بعد مرّة يلحّ تأكيد المؤكّد: فإسرائيل تُقلق أهل المنطقة، وهي ينبغي أن تُقلقهم، لأسباب لا تقتصر على الحقّ الفلسطينيّ وردع الاستيطان واحتلال أراضٍ عربيّة. فإلى ذلك كلّه، هناك:

أوّلاً، كونها آلة تقنيّة جبّارة مسلّحة بأنياب نوويّة،

وثانياً، استيلاء وعي أمنيّ هستيريّ عليها، ما ينقلب وعياً إباديّاً في أيّة لحظة،

وثالثاً، أنّ القوى الدوليّة المؤثّرة تلتزم «الدفاع عنها»، ناهيك عن ضمان إفلاتها من العقاب،

ورابعاً، أنّ النسيج الاجتماعيّ لبلداننا مهلهل وضعيف الإجماع، ما يمكّنها من توظيفه إمعاناً في تفتيته،

وخامساً، أنّ حكّامها الحاليّين خلاصة أسوأ ما في القوميّة وما في التديّن السياسيّ مصحوبَين باستعداد كولونياليّ جلف وبائد لقضم الأرض وطرد السكّان،

بيد أنّ معالجة العامل الإسرائيليّ لا تتمّ بتعاويذ فقيرة ومتهالكة، كمقاومة الاحتلال والتحرير ونزع الاستعمار، مع دوام الاستشهاد بفيتنام والجزائر. وهذا ليس مردّه فقط إلى تغيّر الأزمنة، واختلاف تركيب القوى المعنيّة بالصراع، وتحوّلات العالم وتوازناته، ناهيك عن أنّ تجارب التحرّر الوطنيّ ليست منائر مضيئة تغري بالتقليد. فالفارق، إلى هذا، أنّ الصراع هنا يدور على أرض صغيرة واحدة، بين جماعات شديدة التداخل جغرافيّاً واقتصاديّاً. وبالنتيجة ليست هناك قوّةً «تعود إلى بلادها» كما عاد الفرنسيّون والأميركيّون من الجزائر وفيتنام إلى فرنسا والولايات المتّحدة. فإذا أضفنا الفارق التقنيّ، ارتسمت حالة قد لا نبالغ إذا وصفناها بالفرادة في العالم.

واليوم، وبعد التجارب الكثيرة على أنواعها، بالعسكريّ منها والسياسيّ، تواجهنا الحقيقة التي لم تكن صحيحة كما هي صحيحة راهناً. فالفارق التقنيّ يجعل التفكير بالعنف كحلّ للمعضلة الكبرى أقرب إلى انتحار مُعمّم، فحين نضيف الدعم الأميركيّ والغربيّ الهائل لإسرائيل يغدو الانتحار وصفاً لطيفاً لا يفي بالغرض. ولا بأس بالتذكير هنا بأنّ محمّد حسنين هيكل إيّاه كان قد حذّر العرب منذ أواخر الستينات من «مناطحة الثور الأميركيّ»، وهذا علماً بأنّ هيكل لم يكن في معسكر «الاستسلاميّين الجبناء»، بل كان الناطق بلسان عبد الناصر وأحد أبرز مهندسي سياسته. وجدير بالذكر أنّ الذين اختاروا «المناطحة» يومها ما لبثوا أن غرقوا وأغرقوا المنطقة في حربين أهليّتين في الأردن ولبنان، ثمّ في غزو إسرائيليّ.

ونحن نعرف أنّ تاريخ المواجهات مع الدولة العبريّة أفضى إلى نكبات وكوارث وتراجع في الوعي العامّ، فضلاً عن تعاظم التسلّط، الميليشيويّ كما النظاميّ والأجنبيّ، على شعوب المنطقة.

وما يُستنتج من ذلك، أقلّه نظريّاً، أنّ الحلّ السياسيّ هو وحده ما يبدّد أسباب قلقنا من إسرائيل ويدجّنه. لهذا كان جرّها إلى معركة سياسيّة تنتج حلاًّ هدفاً دائماً تسعى إليه الأنظمة العربيّة غير الراديكاليّة، ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة منذ برنامج «النقاط العشر» أواسط السبعينات، ولكنْ خصوصاً بعد 1982.

وهنا نعود إلى المربّع الأوّل حيث تنتصب نظريّتان يمكن عبر إحداهما تفسير تاريخ الصراع وصولاً إلى اليوم. فهناك نظريّة الأكتوبريّين البسيطة، ومفادها أنّ تجاهل القضيّة الفلسطينيّة وترك الفلسطينيّين في مواجهة الاحتلال والصلف الإسرائيليّين هو الذي يفسّر 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بوصفها تحرّراً وطنيّاً من الاحتلال. وهناك نظريّة أخرى، يُراد حجبها وتجاهلها، مفادها أنّ المنطقة عرفت ما لا يقلّ عن عشر محاولات سياسيّة لحلّ المشكلة أحبطتها الأنظمة العسكريّة العربيّة، ثمّ منذ 1979 ضمّت إيران الخمينيّة جهودها إلى جهود تلك الأنظمة. ذاك أنّ الأنظمة تلك وجدت دائماً في القضيّة الفلسطينيّة وفي استحالة حلّها شرعيّة تعوّضها شرعيّتها المفقودة.

وفي هذا التاريخ المديد من رفض «أنصاف الحلول» و»مؤامرات التسوية التصفويّة»، والتشهير بـ»مؤامرة كامب ديفيد» وبـ»اتّفاق الإذعان في 17 أيّار» وبـ»الخيانة العرفاتيّة»، ومن أعمال الاغتيال التي طالت «تسوويّين» فلسطينيّين وسوريّين ولبنانيّين وأردنيّين، تطوّر أمران:

من جهة، تعاظم تديين القضيّة التي ينبغي «عدم تلويثها» بالسياسة والحلّ السياسيّ، وفي التديين هذا لعب المثقّفون الذين يغرقون في شبر ماء دور نشر الرسالة وتعميمها،

ومن جهة أخرى، شعور باستحالة الحلّ السياسيّ والضجر تالياً من قضيّة لا تُحلّ، قضيّةٍ نجح المحور الإيرانيّ-السوريّ في استخدامها كنوع من الفيتّو على سيادات الدول الأصغر والأضعف، وفي الإمعان في هلهلة نسيج تلك الدول المهلهل أصلاً.

وتمكّن المحور المذكور، عبر إرهاب «حماس»، من تدمير أوسلو، بالتكافل والتضامن مع أقصى اليمين الإسرائيليّ الذي اغتال رابين. هكذا بُدّد معسكر السلام الذي انتمت إليه أكثريّة الإسرائيليّين ذات مرّة، ومذّاك راحت كلّ حكومة إسرائيليّة تبزّ سابقتها في التطرّف وتشجيع الاستيطان.

واليوم يُسجّل لعمليّة 7 أكتوبر، التي توصف بـ»وضع القضيّة على الطاولة»، أنّها نجحت في ضرب المسار السياسيّ وربّما أرجعته أكثر من عشرين عاماً إلى الوراء، ناسفةً «الطاولة» من أساسها، ومؤسِّسة نكبة ثانية أبشع من الأولى، وهذا فضلاً عن إنقاذها روايةَ النظامين الإيرانيّ والسوريّ عن النزاع.

فقد انتهينا إلى انسدادين سياسيّ وعسكريّ، فيما الثور الهائج يزداد هياجاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قوّة إسرائيل المقلقة بين تعطيلها وتفعيلها قوّة إسرائيل المقلقة بين تعطيلها وتفعيلها



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

فساتين سهرة غير تقليدية تضيء سهرات عيد الحب بإطلالات النجمات

بيروت - المغرب اليوم

GMT 07:36 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

الصيام المتقطع ليس أفضل من الحميات التقليدية
المغرب اليوم - الصيام المتقطع ليس أفضل من الحميات التقليدية

GMT 23:17 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

وصايا خبراء الديكور لاختيار باركيه المنازل

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 15:57 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 01:19 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

لونلي بلانيت يكشّف عن أفضل 10 وجهات سياحية

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 21:47 2022 السبت ,01 كانون الثاني / يناير

خالد آيت طالب يشيد بمجهودات موظفي وزارة الصحة المغربية

GMT 03:35 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

بساطة السهل الممتنع بعرض أزياء "تي أو دي إس" في "ميلانو"

GMT 10:58 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

"الرجاء" يفاوض الشاكير وزكرياء حدراف لتجديد عقديهما

GMT 11:46 2017 الأربعاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

معدلات ثاني أكسيد الكربون تتجاوز حدًا "لن ينخفض لأجيال"

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 16:06 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تتهوّر في اتخاذ قرار أو توقيع عقد

GMT 14:24 2019 الأربعاء ,25 كانون الأول / ديسمبر

معبد "كوم أمبو" في أسوان المصرية يستقبل السائحين بحلة جديدة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib