نزل الباذنجان للسُّوق

نزل الباذنجان للسُّوق

المغرب اليوم -

نزل الباذنجان للسُّوق

إنعام كجه جي
بقلم : إنعام كجه جي

هذا ما يقولُه العراقيون حينَ يَرَوْن شَخصاً يقومُ بحركاتٍ هوجاءَ... «نزل الباذنجان إلى السوق». سخونةُ صيفِنا تتكفّلُ بتحويلِ العاقلِ مجنوناً. والصيفُ اللهّابُ هو موسمُ الباذنجان. والغريبُ أنَّه ليسَ من الخضراوات، بل ينتمِي إلى عائلةِ الفواكهِ... مثلُه مثلُ الطماطم.

وسواء أكانَ فاكهةً أم من الخضراوات، فإنَّ موقعَه في قلوبِ العراقيين لا يهزّ عرشَ البامية. اختلفت أسماؤها وفق اللهجات: التوانسة يسمونَها «قناوية»، والمغاربة «مُلوخية»، في حين أنَّ لها اسماً علمياً لطيفاً هو «حَبّ المسك». أمَّا الباذنجان فقد سمّاه العراقيون «وَحْشَ الطاوة». و«الطاوةُ» لفظة أعجمية تعني «المِقلاة». يتجلَّى مذاقُه، بألذّ ما يتجلَّى، حين يُقلى بالزيت الحامي. تتصاعدُ رائحتُه فيعجز هرقلُ أبو كرش عن مقاومةِ نداء «الوَحْش».

فاكهةٌ مزواجٌ تقترن بكثير من الأطعمة. أكتب عنها لِصُدُورِ مطبوعٍ أنيق بالفرنسية عنوانه: «كتاب الباذنجان». ليس الأولَ ولن يكونَ الأخيرَ. يقولون عندنا إنَّ البنت تصبح صالحةً للزواج حين تتعلَّمُ طبخَ الباذنجان بسبع طرق. رقمٌ متواضعٌ إزاء ما نعرفه من تحضيره مقلياً مُملّحاً، أو مشوياً ذائباً، أو مُستلقياً في المرق، أو محشوّاً باللحم والأرزّ، أو مخلوطاً باللبن الرائب المثوّم، أو مكدوساً مع الجوز والشطة... هذا غير السَّلَطات والمخللات والمُقَبّلاتِ وَدَلَع البابا غنوج.

طعامُ الفقراء لأنَّه رخيص السعر. أو كانَ رخيصاً. نشتريه في بلادنا بالأكياس، وفي أوروبا بالواحدة، كأنَّها فصوص مجوهرات. ينمو الباذنجان في حوض «المتوسط»، ويتفوَّق في طبخه الشوام واليونانيون والأتراك. ولدى هؤلاء أكلة شهيرة تُسمى «إمام بايلدي»، أي «إمام مُغمَى عليه»، وبلهجتنا «مَاعَتْ رُوحُه»... أصابه انهيارٌ حين عرف كميةَ الزيت التي أهدرتها الطباخةُ في قَلْيِه.

وهو يرمز، وفقاً لبعض المعتقدات، إلى الخصوبةِ والحُبّ الجيّاش. يُقال إنَّه يسبب حصى الكُلَى، ولعلَّها مجردُ تخرّصات. فقد عرفناه أسودَ لامعاً أبيضَ القلبِ، وصرنا نراه قُرمزياً، وأبيضَ مثل العاج. يكمن سرُّه في أنَّه متعددُ المواهبِ، يستوعب أنواعَ المذاقات. وترى المؤلفةُ الفرنسيةُ، آن بيرسان، أنَّ «على المرءِ أن يعاملَ الباذنجانة معاملةَ امرأةٍ مغريةٍ على الشاطئ. يعرّيها، أي يُقشّرُها باحتراس، ثم يدهنُها بالزيت، ويتركُها تتحمَّصُ على نارٍ هادئة حتى تأخذَ اللونَ البرونزي، وفقَ إيقاعِها».

أحببنَا الباذنجان ورسمناهُ وغنَّينَا له، بل ودَعَوْناهُ إلى مسرح شكسبير. تلاعبَ المخرجُ سامي عبد الحميد بمسرحية «عُطيل»، وقدَّمها وفقَ مزاجه بكافتيريا «مسرحِ الرَّشيد» في بغداد. افترض الفنانُ الكبيرُ أنَّ طباخي أحدِ المطاعم أحبُّوا تمثيلَ تلك المسرحية في أوقاتِ فراغهم، فكان «ياغو» يقطّع الباذنجان، بينما «رودريغو» يفرمُ البصلَ، تمهيداً لطبخ المسقّعة لـ«عُطيل».

في «كتاب الباذنجان» نقعُ على 10 وصفاتٍ لتحضيره على الطريقة الفرنسية. كلُّها مسروقٌ من مطبخِنا الشرقيّ. وللمفارقة، فإنَّ هناك مثلاً فرنسياً يقول: «نحن لا نسرقُ باذنجانة مُرّة». فإذا قرَّرتَ أن تكونَ لصاً، فاسرق شيئاً ذا قيمة... انهبْ خزينةَ بلد؛ مثلاً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نزل الباذنجان للسُّوق نزل الباذنجان للسُّوق



GMT 02:04 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

«فوضى الحواس»

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 01:58 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

سجن السياسة في الآيديولوجيا

GMT 01:56 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

أوروبا... سياسة جديدة للردع الاستباقي

GMT 01:54 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

وجهة نظر حول حماية الأمن العربي

GMT 01:47 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

شقق للقصف

GMT 01:45 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

الخليج بين ضفتيه الشرقية والغربية

GMT 01:42 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

حَذارِ من الطابور الخامس

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 21:17 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 02:29 2016 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

الاتحاد الانجليزي ينصف يوسف روسي في نزاعه مع "الرجاء"

GMT 14:27 2018 الثلاثاء ,12 حزيران / يونيو

تفسير قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم"

GMT 21:01 2017 الأحد ,31 كانون الأول / ديسمبر

مدينة "فاطمة" في البرتغال مزار الكاثوليك حول العالم

GMT 23:10 2016 الجمعة ,30 كانون الأول / ديسمبر

99 معرضًا دوليًا ومحليًا حصاد هيئة الكتاب المصرية في 2016
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib