افتح يا سمسم

افتح يا سمسم

المغرب اليوم -

افتح يا سمسم

إنعام كجه جي
بقلم : إنعام كجه جي

أعرف أنه لا أحدَ يملك علمَ الغيب. وأنَّ المنجمين يكذبون ولو صدقوا. لكنّني لا أستطيع أنْ أمرَّ مرورَ الكرامِ بصفحاتِ الطالعِ في المجلات، أو تلك الخزعبلاتِ التي تصلنِي عبرَ الهاتف كلَّ يوم. حسناً، يا سيّدي، هم يكذبونَ عليَّ ويستغفلونَنِي. لكنَّنِي أسايرُهم من دون أن أصدّقَ ما يقولون.

هذه مهنة يسترزقُ منها أناسٌ كثيرون، رجالاً ونساءً. فتّاحو فألٍ وكتّابُ أحجبةٍ وقارئاتُ بختٍ وضارباتُ وَدَعٍ وشيوخٌ ذوو خيالٍ واسعٍ يجيدونَ التَّبخيرَ ورصَّ الكلامِ ونيلَ الإكراميات. ومع تقدّم الزمنِ تطوَّرتِ المهنةُ ودخلَها منجّمونَ يحملونَ شهاداتٍ علميةً، وسيداتٌ أنيقاتٌ مكشوفٌ عنهنَّ الحجابُ، لهم عياداتُهم ومواقعُهم الاستشاريةُ على الشبكة. يؤلّفونَ الكتبَ مطلعَ كلّ عام. يستشعرونَ الزَّلازلَ ويغتالونَ الرؤساءَ ويزوّجونَ النُّجوم ويطلّقونَهم ويقرأونَ بختَ الكرةِ الأرضيةِ كلِّها.

اضطررتُ، في فترةٍ من فتراتِ حياتِي، للعملِ محررةً «بتاعة كلّه» في إحدَى المجلَّاتِ العربيةِ التي كانت تصدرُ في باريس. أجري التَّحقيقاتِ والمقابلاتِ وأكتبُ صفحةَ المرأة وزوايا الموضةِ والطبخِ وحتى «برجك هذا الأسبوع».

كنتُ أؤلّفُ ما يجود بهِ الخاطر من تنبّؤات، وأحرصُ علَى أن تكونَ كلَّها مفرحةً. «هديّة في طريقها إليك». «شفاءٌ من وعكةٍ صحية». «زواجٌ في محيطِ العائلة». «عودةُ عزيزٍ من السفر». وعلى هذا المِنوال. كنتُ أعرفُ أنَّ أهلِي في بغدادَ يشترونَ تلكَ المَجلة. وأنَّ الوالدةَ تطلبُ أن يقرأوا لهَا برجَهَا. لهذا كنتُ أتفنَّنُ في تأليفِ الأخبارِ السَّارةِ لبرجِ الدَّلو خِصيصاً لها، وعلَى هوَى قلبِهَا. ولم أكنْ أكذبُ بل أتجمَّلُ كُرمَى لِعينَي ستِّ الحَبايب.

ورغم اجتهادِي فإنَّ زاويةَ الأبراج كانت تنشرُ بتوقيع عرّافٍ نالَ شهرةً كبيرةً وقتها. وبفضلِ علاقاتِه وعطاياهُ انتُخبَ رئيساً للاتحادِ العالمِي للمنجّمينَ. أوَّلُ قرارتِه كانَ طرد مندوبِ إسرائيلَ من الاتحاد. يزورُنا كلَّ شهرٍ في المجلةِ ليشربَ القهوةَ مع رئيسِ التَّحرير. يدفعُ له بكرمٍ حَاتميّ مقابلَ الدّعاية التي يؤمنُها لهُ. أنَا أكتبُ وغيري يَقبضُ.

صادفتُهُ ذاتَ يومٍ عندَ المِصعد الطَّالعِ إلى مكتبِ المجلة. مصعد حديديّ مكشوف من النَّوع العتيقِ في بنايةٍ باريسية عمرُها دهرٌ. حاولَ فتحَ البابِ فلمْ ينجح. التفتَ نحوي طالباً المُساعدة فأطلَّت شَياطينِي من مَكامنِها. انتهزتُها فرصةً للتَّنفيسِ عن الغَيظِ المَكظوم. قلتُ له بكلٍ برودٍ: «قلْ للمصعد افتحْ يا سمسم».

فِي الشَّهرِ الماضي ذهبتُ لاستقبالِ ابنتِي وطفليها في محطةِ القطار. قفزَ حفيدِي إلى أحضانِي وقدّم لِي سنتيماً أحمرَ كانَ قد عثرَ عليه في العَربة. قالَ إنَّه سيأتيني بحظٍّ طيّب. يحتفظُ بعضُ النَّاسِ بقطعةِ نقدٍ صغيرةٍ في محفظةِ النُّقود من بابِ التَّفاؤل. الفِلسُ سيجلبُ الدّينارَ رغمَ أنَّ دنانيرنا العراقيةَ العزيزة باتتْ فليساتٍ. وضعتُ الهديةَ في محفظتي وَعدنَا إلَى البَيت. وحالَ وصولِنَا تلقَّيتُ مكالمةً تخبرنِي بِفوزٍ كَبير. تلكَ هي مصادفاتُ العمرِ الجَميلة. يكذبُ المنجّمونَ ويصدقُ الأطفالُ.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

افتح يا سمسم افتح يا سمسم



GMT 00:03 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

بلاد كولومبوس... 250 عاماً

GMT 00:01 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

حمزة الجمرك

GMT 23:57 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

الحوثي في حفرة الأرنب

GMT 23:56 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

مروحيّة «أرامكو» ورسالة من السماء

GMT 23:54 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

السنون الكثيفة

GMT 23:52 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

أميركا في يوم استقلالها... كيف تبدو؟

GMT 00:00 2026 الجمعة ,03 تموز / يوليو

وإلّا!

الفستان الأحمر نجم إطلالات النجمات الصيفية

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 04:23 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات

GMT 14:56 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

4 أماكن يجب ألا تحتفظ بهاتفك فيها
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib