ليس للحرب جانب مضيء

ليس للحرب جانب مضيء

المغرب اليوم -

ليس للحرب جانب مضيء

بقلم : د. جبريل العبيدي

وما هو عَنْها بالحَدِيثِ المُرَجَّمِ ليس للحرب؛ قديماً وحديثاً، جانبٌ مضيء، فالسائدُ هو الجانبُ المظلمُ منها، وهي ليست مجردَ معارك بين جيوش، أو صراعاً على الأرض، أو على منافع ومنابع الثروات فقط... للحرب جانبٌ مظلم يترك أثراً عميقاً في البشر والمجتمعات المختلفة، حتى تلك التي انتصرت فيها، فهي قد تُحسَم بالسلاح، لكنّ آثارَها المظلمة تستمر في الذاكرة عقوداً.

والحرب قد تُخاض باسم «الحرية» أو «العدالة»، لكنها في حقيقتها تزرع الكراهية، وتُخلّف أجيالاً يحملون آثارَها النفسية. لا يوجد في الحرب منتصرٌ أو مهزومٌ حقيقيان، لكن يوجد ضحايا حقيقيون، ولنا في ذاكرة الحربَين العالميتين؛ الأولى والثانية، عبرةٌ في عدد الضحايا الذين هم بالملايين، فبينما نسيَ العالمُ جميعُه مَن انتصر في الحربَين ومَن انهزم، بقيت مقابر الضحايا هي الشاهد الأوحد على الجانب المظلم للحروب، كما وصفها شاعر العرب زهير بن أبي سلمى:

متَى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذميمة

وتَضْرَ إذا ضَرَّيْتُمُوها فتَضْرَمِفلا خير تأتي به الحرب.

يتساءل بعض المفكرين: لماذا تذهب الأمم إلى الحروب؟ قد نجد الإجابة على لسان الرئيس الأميركي الـ28، وودرو ويلسون... يقول: «بذور الحرب في العالم الحديث هي التنافس الصناعي والتجاري»، فالحرب «نزاعٌ مسلحٌ تبادليٌ بين دولتين أو أكثر من الكيانات والتحالفات المتضادة غير المنسجمة، الهدف منه هو إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية للحصول على نتائج مرجوّة ومصممة بشكل ذاتي». وهنا تكمن الإجابة عن ماهية الحرب ومسبباتها المعلنة والخفية.

وتتنوع أشكالُ الحروب؛ فمنها قتاليةٌ، وأخرى باردةٌ لا قتال مباشراً فيها، كالتي كانت بين المعسكرين الشرقي والغربي في القرن الماضي، والتي استنزف التنافسُ على التسلح فيها العالمَ، وجعله على شفا جرف هارٍ، ورهينةً لعود كبريت أو رصاصة يطلقها أحد الطرفين اللذين أنهكتهما الحربان العالميتان. لم يدخل العالمُ الحربَ الثالثة؛ ليس بتعقل الشعوب والحكام وإدراكهم مخاطر الحروب، بل بالردع النووي والبيولوجي؛ وهو الأخطر. ولو اندلعت حربٌ عالمية ثالثة في أي لحظة، فسيكون الفناءُ مصيرَ الجميع، وليس هناك نصرٌ أبداً، فالجميع سيكون مهزوماً وإلى فناء. وقد لاحظتْ تقاريرُ الأمن البشري انخفاضاً كبيراً في عدد الصراعات المسلحة منذ نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينات من القرن الماضي.

فالحروبُ جميعُ وجوهِها مظلمةٌ، ولا يمكن أن يكون للحرب جانبٌ مضيء، إلا بأشعة الصواريخ والقنابل والشظايا، وهي دائماً مصحوبة بإعاقاتٍ وإصابات وقتلى وجرحى وثكالى وأرامل وأيتامٍ ونزوح وتهجير وجوع وعطش... بل تطول العواقبُ حتى الهواء الذي تلوثه أدخنة الأسلحة والغازات السامة.

لا خير في الحرب حتى للمنتصر، فهو سيخرج منها منهكاً مثقلاً بأزمات أخرى قد يعجز عن إدارتها سنوات طويلة.

ومن أسباب الحروب نزعةُ السلطة، والتنافسُ الانتخابي، فقد كانت الحروب، ولا تزال، من عوامل المغالبة في الانتخابات الغربية، حتى أصبحت الانتخابات الرئاسية في بعض بلدان العالم مجالاً خصباً لإدارة الحروب بين الأطراف المختلفة، بل أصبحت الحروب هي التي تحدد مَن الفائز ومَن الخاسر في الانتخابات.

وهناك نظريات تعتمد «التوسع الديموغرافي وندرة الموارد» سبباً لشن الحروب - منها «نظرية مالتوس» بشأن «الازدياد السكاني وندرة الموارد» - وبالتالي إزهاق ملايين الأرواح، ليس فقط من الجنود؛ بل من المدنيين الأبرياء. وهي تكون دائماً مصحوبة بالصدماتِ النفسية، وفقدانِ الأحبة، وانتشارِ اليُتم، وانهيارِ الروابط المجتمعية، وتدميرِ البنى التحتية، وانهيارِ الأسواق، وانتشارِ الفقر والبطالة والفوضى والجريمة.

إذا بقيت الحروب سجالاً، أو حتى انتهت، فلا غالب فيها ولا مغلوب.

كان هناك ذات يوم سجالٌ فكري وعلمي بين صاحب نظرية النسبية؛ الفيزيائي ألبرت آينشتاين، وعالم النفس سيغموند فرويد، لكنهما ذهبا ولم يجدا حلاً لمنع الحروب، رغم أن ثانيَهما عالِمٌ فذّ في نفوس البشر وخباياها، وأولَهما عالِمٌ في الفيزياء والرياضيات؛ اللذين هما من أسس صناعة السلاح والصواريخ والمقذوفات.

خاض العالَمُ بعدهما عشرات الحروب من دون أن يصل أحد إلى إجابة السؤال: كيف نمنع الحروب؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليس للحرب جانب مضيء ليس للحرب جانب مضيء



GMT 04:08 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الأسئلة …!

GMT 04:02 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ما بعد الأيام

GMT 03:52 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

اختصار الأزمنة

GMT 03:51 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

النفس الإنسانية... تشابكاتها وتناقضاتها

GMT 03:50 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

وهْمُ أنَّ إسرائيل تحكم أميركا

GMT 03:49 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها؟

GMT 03:48 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ليبيا... بين الفشل والإنقاذ

GMT 03:47 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

نهاية «نيوستارت» والحقبة النووية الثالثة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 05:04 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

ساموزين يشارك في فيلم رومانسي كوميدي الفترة المقبلة

GMT 14:40 2016 الإثنين ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

ماكلارين تحتفل بمرور 50 عامًا على انطلاق السباقات الأميركية

GMT 08:58 2021 الخميس ,09 كانون الأول / ديسمبر

تأجيل مباراة توتنهام ورين في "دوري المؤتمر الأوروبي"

GMT 02:06 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

7 نصائح ديكور لاختيار أرضيات المنازل

GMT 16:37 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بورشه تدخل المنافسة بقوّة في مجال تصنيع السيارات الطائرة

GMT 13:14 2017 الخميس ,14 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سجين في القنطيرة لإصابته بأمراض القلب وسرطان الرئة

GMT 22:59 2017 الثلاثاء ,25 تموز / يوليو

السفارة الأميركية تهنئ روان العربي ومروان طارق
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib