أزمات إيران تعمّق تركيزها على «حزب الله»

أزمات إيران تعمّق تركيزها على «حزب الله»!

المغرب اليوم -

أزمات إيران تعمّق تركيزها على «حزب الله»

بقلم:هدى الحسيني

الآن وقد تم تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران يمكننا القول إنه لم تعد المواجهة بين إيران وخصومها تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة والتحركات العسكرية في المنطقة، بل باتت تدور بصورة متزايدة حول الاقتصاد والطاقة والقدرة على تحمل الضغوط في مجال النفط والطاقة. فبينما يتركز الاهتمام الإعلامي على التطورات الأمنية، تواجه طهران في الواقع معركة أكثر تعقيداً تتعلق بمستقبل اقتصادها واستقرارها الداخلي وقدرتها على المحافظة على شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها خلال العقود الماضية.

تعتمد إيران منذ سنوات على عائدات النفط والغاز بوصفها أحد أهم مصادر الدخل الوطني والعملات الأجنبية. ورغم العقوبات الغربية الطويلة، نجحت في الحفاظ على جزء مهم من صادراتها عبر شبكات نقل معقدة وأساطيل بحرية تعمل خارج الأطر التقليدية. لكن التطورات الأخيرة في الخليج والتشدد المتزايد في مراقبة حركة الملاحة البحرية أديا إلى تقليص قدرة طهران على تصدير النفط بالمستويات التي كانت تعتمد عليها.

شكّل هذا التطور ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني، لأن النفط لا يمثل مجرد مصدر دخل عادي، بل يشكل أحد الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها الموازنة العامة وتمويل المؤسسات الحكومية وبرامج الدعم الاجتماعي. وكل تراجع في الصادرات النفطية ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على توفير العملات الصعبة اللازمة للاستيراد ودعم الأسواق المحلية.

ومع تراجع الإيرادات تتزايد الضغوط على العملة الوطنية التي فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها خلال السنوات الأخيرة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والأدوية والخدمات، ما زاد من الأعباء المعيشية على ملايين الإيرانيين. كما ارتفعت معدلات التضخم بصورة مستمرة، وأصبحت القدرة الشرائية للمواطن العادي أضعف بكثير مما كانت عليه قبل سنوات.

ولا تقتصر الأزمة على التضخم فقط، بل تمتد إلى البطالة وتراجع الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال. فالمستثمرون المحليون والأجانب يترددون في ضخ أموال جديدة في بيئة تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. كما أن العقوبات المفروضة على القطاع المالي الإيراني تجعل عملية جذب الاستثمارات الخارجية أكثر صعوبة، الأمر الذي يحرم الاقتصاد من موارد يحتاج إليها بشدة لتحديث بنيته الصناعية والتكنولوجية.

وتدرك القيادة الإيرانية أن التحدي الاقتصادي قد يكون أخطر من أي مواجهة عسكرية مباشرة. فالتاريخ الحديث لإيران يظهر أن موجات الاحتجاج الواسعة كانت ترتبط غالباً بتدهور الظروف المعيشية وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل. ولهذا السبب تحاول السلطات احتواء الغضب الشعبي من خلال إجراءات دعم مختلفة، إلا أن قدرتها على الاستمرار في ذلك ترتبط بحجم الموارد المالية المتاحة لديها.

في المقابل، تسعى طهران إلى البحث عن بدائل تخفف من تأثير الضغوط الاقتصادية. فهي تعمل على توسيع التجارة البرية مع الدول المجاورة، وتستخدم طرق نقل مختلفة عبر آسيا الوسطى وتركيا وباكستان، كما تحاول تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا. غير أن هذه البدائل لا تستطيع تعويض الخسائر الناتجة عن أي تراجع كبير في صادرات النفط المنقولة بحراً، التي تبقى المصدر الأكثر أهمية للإيرادات.

وفي خضم هذه التحديات الاقتصادية، يبرز عامل آخر تعدّه القيادة الإيرانية جزءاً أساسياً من أمنها القومي، وهو شبكة الحلفاء والتنظيمات المرتبطة بها في المنطقة. وتأتي أهمية «حزب الله» في مقدمة هذه الحسابات. فمنذ عقود تنظر طهران إلى الحزب باعتباره الركيزة الأقوى في مشروعها الإقليمي ومن أهم أدوات الردع خارج حدودها.

وبالنسبة إلى صناع القرار في إيران، لا يمثل «حزب الله» مجرد حليف سياسي أو عسكري، بل يشكل جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الإيرانية. فوجود قوة عسكرية حليفة على حدود إسرائيل يمنح طهران ورقة ضغط مهمة في أي مواجهة إقليمية. كما أن الحزب لعب طوال سنوات دوراً محورياً في ترسيخ النفوذ الإيراني في المشرق العربي وفي حماية المصالح الإيرانية ضمن شبكة التحالفات الإقليمية.

ولهذا السبب تنظر القيادة الإيرانية بقلق شديد إلى أي تهديد يطول الحزب أو يضعف قدراته. فخسارة هذا الحليف أو تراجع دوره بصورة كبيرة قد تعني بالنسبة إلى طهران فقدان أحد أهم عناصر القوة التي بنت عليها استراتيجيتها منذ نهاية الحرب العراقية - الإيرانية. كما أن ذلك قد ينعكس على صورة النظام داخلياً، لأن جزءاً من شرعيته السياسية يقوم على تقديم نفسه بوصفه قائداً لمحور إقليمي يمتد عبر دول عدة.

غير أن هذه السياسة تواجه بدورها انتقادات داخل إيران. فهناك أصوات متزايدة ترى أن الموارد المالية التي تنفق خارج الحدود كان يمكن توجيهها لمعالجة مشكلات الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة وتطوير الخدمات العامة. وقد ظهر هذا التذمر بوضوح خلال عدد من الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

أما بالنسبة إلى مستقبل النظام الإيراني، فإنه سيتوقف إلى حد كبير على قدرته على إدارة التوازن بين الضغوط الاقتصادية والالتزامات الإقليمية. فإذا استمرت العقوبات وتراجعت الصادرات النفطية لفترة طويلة، فإن الاقتصاد سيواجه صعوبات أكبر، وقد تتزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية داخل البلاد. أما إذا نجحت طهران في التوصل إلى تفاهمات تخفف القيود الاقتصادية وتسمح بعودة جزء من عائداتها النفطية، فقد تحصل على فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية.

وفي جميع الأحوال، تبدو إيران اليوم أمام مرحلة دقيقة تختلف عن كثير من الأزمات السابقة. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالعقوبات أو المواجهات العسكرية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في وقت تتزايد فيه التحديات الداخلية والخارجية معاً. ولهذا يرى كثير من المراقبين أن السنوات المقبلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ إيران، لأن نتائجها لن تحدد فقط مستقبل الاقتصاد الإيراني، بل قد ترسم أيضاً ملامح دور إيران الإقليمي ومستقبل النظام نفسه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمات إيران تعمّق تركيزها على «حزب الله» أزمات إيران تعمّق تركيزها على «حزب الله»



GMT 04:31 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

«اللايطاني»

GMT 04:30 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

جي دي فانس ونظرية المؤامرة

GMT 04:28 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني

GMT 04:27 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

استكشاف الأهرامات بالديناميت

GMT 04:26 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

أوقفوا العسكرة!!

GMT 04:25 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

ليبيا وحوارها المهيكل

GMT 04:24 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

GMT 04:21 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

إبراهيم نافع!

GMT 07:03 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

جامعة القاهرة تحقق تقدما ملحوظا في تصنيف U.S. News 2026
المغرب اليوم - جامعة القاهرة تحقق تقدما ملحوظا في تصنيف U.S. News 2026

GMT 06:50 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024
المغرب اليوم - هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024

GMT 16:02 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تستعيد حماستك وتتمتع بسرعة بديهة

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 23:47 2017 السبت ,28 تشرين الأول / أكتوبر

عبدالرزاق حمدالله يسجل للريان ضد السد

GMT 23:19 2023 الإثنين ,28 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الإثنين 28 أغسطس /آب 2023

GMT 01:39 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

سماع دوي انفجارات قرب جزيرة قشم في مضيق هرمز

GMT 21:35 2020 الخميس ,23 إبريل / نيسان

التأثير النفسي لألوان دهانات الحوائط

GMT 06:53 2018 الإثنين ,14 أيار / مايو

فوائد الصبار لترطيب بشرتك

GMT 03:58 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

طرق مستحدثة لحمامات سباحة بأقل تكلفة في فناء المنزل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib