الهدوء في غزة يحرّك ‏مسارات السلام

الهدوء في غزة يحرّك ‏مسارات السلام!

المغرب اليوم -

الهدوء في غزة يحرّك ‏مسارات السلام

هدى الحسيني
بقلم : هدى الحسيني

تبدو المنطقة أمام لحظة تحوّل استثنائية يصفها جنرالات أميركيون متابعون للشأن العسكري الإقليمي بأنها بمثابة «تغير جذري» في موازين القوى بالشرق الأوسط. فإسرائيل، التي تخوض معارك متزامنة على أكثر من جبهة، تحاول استثمار اللحظة الراهنة لتقويض نفوذ محور الممانعة وأذرعه المسلحة، من غزة إلى لبنان وصولاً إلى اليمن. هذه الصورة التي يقدمها الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين تعكس شعوراً متنامياً داخل الدوائر الغربية والإسرائيلية بأن المواجهات الحالية، رغم قسوتها وكلفتها البشرية العالية، قد تفتح نافذة نادرة لإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في المنطقة لعقود طويلة مقبلة.

كين، الذي عاد مؤخراً من لقاءات مكثفة في إسرائيل، شملت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس الدولة إسحاق هرتسوغ وقيادات في الجيش، يرى أن تل أبيب استطاعت توجيه ضربات مؤلمة إلى جبهات نفوذ محور الممانعة. فـ«حزب الله»، وفق وصفه، «جرى شلّه بالكامل» عبر سلسلة من الغارات الجوية التي منعت إعادة بناء قواعده في جنوب لبنان. أما الحوثيون، فهجماتهم لم تتجاوز إطار «المضايقات» عبر طائرات مسيّرة وصواريخ متفرقة، في وقت تواصل فيه إسرائيل ضرب مواقعهم الحيوية داخل اليمن، مستهدفة البنية التحتية التي يعتمدون عليها لوجيستياً وعسكرياً. وفي غزة، جاء التوصل إلى اتفاق يفضي إلى تحرير الأسرى، غير أن الشكوك تبقى قائمة حيال استعداد حركة «حماس» للتخلي عن سلطتها، وهو ما يشكل العقدة الأساسية أمام أي تسوية سياسية شاملة.

لكن المعضلة الأكبر أمام إسرائيل ليست فقط في المواجهة المباشرة مع هذه التنظيمات، بل في قدرتها على الاستمرار من دون الارتهان الكامل لواشنطن. الجنرال كين شدد على أن الدرس الأول الذي ينبغي استخلاصه هو عدم السماح مجدداً بتمركز وكلاء محور الممانعة على حدودها، والدرس الثاني هو بناء استقلالية عسكرية أكبر عن الولايات المتحدة. ذلك أن تقلبات السياسة الأميركية بين إدارات مختلفة جعلت إسرائيل عرضة لمستويات متفاوتة من الدعم العسكري، وهو ما دفع كين إلى دعوة قادتها لتأمين احتياجاتهم الأساسية بأنفسهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الغطاء الدبلوماسي والأخلاقي الأميركي الذي يبقى عنصراً لا غنى عنه.

المثير أن التحولات لم تتوقف عند حدود الصراع مع غزة ولبنان واليمن. فالمشهد الإقليمي يتبدل بوتيرة سريعة وغير متوقعة. سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، باتت ساحة تفاوض جديدة بين تل أبيب والسلطة الناشئة. وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر يقود محادثات مع النظام السوري لإرساء تفاهمات أمنية، وسط تمسك الجيش الإسرائيلي بمواقعه الدفاعية في الداخل السوري. ورغم المخاوف من خلفية الشرع، يرى الإسرائيليون في هذه المفاوضات فرصة لتثبيت خطوط حمراء تحول دون تسلل أي فصيل مسلح نحو الجنوب.

اللافت أيضاً هو استمرار الاهتمام العربي بالسلام رغم الحرب الطويلة في غزة والهجمات المتفرقة ضد المصالح العربية. فقيادات إسرائيلية نقلت انطباعات تفيد بأن دولاً عربية عدة ما زالت تنظر إلى اتفاقات السلام بوصفها ركيزة لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً اقتصادياً، حتى وإن تعرّضت لانتكاسات ظرفية. ومن شأن أي تهدئة في غزة أن تفتح الباب أمام استئناف هذه المسارات، وهو احتمال يراهن عليه كثيرون في تل أبيب وواشنطن على السواء، لا سيما أنه يتيح إقامة مشاريع تنموية عابرة للحدود قد تخفف من جذور التوتر.

أما تركيا، فتمثل في نظر كين معضلة مزدوجة. الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي لعب دوراً في وصول الشرع إلى السلطة في سوريا، ما زال معادياً لإسرائيل، لكن وزنه العسكري داخل «الناتو» يجعله رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه. الولايات المتحدة تحاول جذبه بعيداً عن روسيا من خلال اتفاقات لبناء مفاعلات نووية صغيرة وكبيرة، وهو مسار قد يفتح نافذة لتقليل التقارب التركي من موسكو وبكين. الاحتمال المطروح هنا أن تجاهل أنقرة سيعزز تموضعها في المحور الروسي - الصيني، فيما الانخراط معها ولو بحذر قد يخلق توازناً جديداً يصب في مصلحة واشنطن وتل أبيب.

في الجانب الآخر من المشهد، يبقى الصراع الروسي - الأوكراني عاملاً مؤثراً في حسابات واشنطن. الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان يعوّل على علاقة شخصية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحقيق انفراج، بات مقتنعاً الآن بأن موسكو تماطل وتكذب فيما تواصل تصعيدها العسكري ضد البنية التحتية الأوكرانية والمدن الكبرى. ووفق تقييم كين، لم يعد أمام البيت الأبيض سوى خيارين: إما رفع مستوى الضغط العسكري عبر السماح لكييف باستخدام أسلحة بعيدة المدى ضد الداخل الروسي، وقد بدأ هذا يحصل، أو تشديد العقوبات الاقتصادية على صادرات الطاقة الروسية التي ما زال الأوروبيون يشترونها رغم دعوات التوقف المتكررة. وإذا لم يتحقق ذلك، فقد تزداد ثقة بوتين بقدرته على استنزاف الغرب، الأمر الذي سيؤثر بدوره على أولويات الدعم الأميركي لإسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط.

كل هذه المسارات تجعل من المرحلة الحالية منعطفاً حساساً. فإسرائيل تمتلك، وفق رؤية كين، «نافذة ذهبية» لتصفية نفوذ محور الممانعة في محيطها القريب، لكن هذه النافذة قد تضيق سريعاً إذا تراجعت الإرادة الأميركية في الاستمرار بالضغط أو إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في غزة وسوريا ولبنان. الاحتمال قائم بأن يستغل هذا المحور أي تراخٍ لإعادة تموضع وكلائه، كما أن استمرار التعقيدات في الحرب الأوكرانية قد يستهلك جزءاً كبيراً من زخم الدعم الغربي للمنطقة. في المقابل، إذا جرى تثبيت اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة يتبعه ترتيب أمني تشارك فيه أطراف عربية، وإذا تقدمت خطوات التطبيع رغم التحديات، فقد يجد الشرق الأوسط نفسه أقرب إلى استقرار طال انتظاره، مع احتمالات تحسن اقتصادات المنطقة بفعل المناخ الجديد.

بين هذه السيناريوهات، يبقى المؤكد أن لحظة التحول التي يشهدها الإقليم اليوم لن تمر من دون أن تترك آثاراً عميقة، سواء نحو سلام هشّ أو نحو جولة أخرى من الصراع الممتد الذي قد يفرض وقائع جديدة على الأرض.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهدوء في غزة يحرّك ‏مسارات السلام الهدوء في غزة يحرّك ‏مسارات السلام



GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

GMT 04:39 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 04:38 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 04:37 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 04:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 04:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 08:27 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:23 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 10:45 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

ليلي علوي تلتقي الفنان وليد توفيق في الكويت

GMT 12:48 2016 الخميس ,21 إبريل / نيسان

هل ينتهي الحب بعد الـ 3 سنوات الأولى !

GMT 01:03 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

أحمد خليل يُعرب عن سعادته بنجاح "رسايل" و"كإنه إمبارح"

GMT 09:47 2018 الخميس ,04 كانون الثاني / يناير

أسبتب تدشبن مباراة المغرب والكامرون بدون جمهور

GMT 22:35 2023 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

الزلزال السياسي بين الرباط وباريس قد يستمر طويلاً

GMT 17:28 2022 الجمعة ,07 كانون الثاني / يناير

لودريان يُرحّب بعودة السفير الجزائري إلى باريس

GMT 16:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحوت" في كانون الأول 2019
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib