الشرع بعيون لبنانية

الشرع بعيون لبنانية

المغرب اليوم -

الشرع بعيون لبنانية

غسان شربل
بقلم - غسان شربل

قالَ السياسيُّ اللبنانيُّ إنَّه يشعرُ بالحَيرة كلَّما فكَّر في الرئيس أحمد الشرع. تجربتُه معقدةٌ ومثيرة، وتستحقُّ دراسةً معمقةً ومراقبةً لصيقة لمعرفة سببِ التَّحوّلِ الكبيرِ فيها. لم يخفِ أنَّه شعرَ بالقلق حين رأى الشَّابَّ الأربعينيَّ يُطلُّ من دمشقَ على حُطامِ نظامِ بشار الأسد. وسارعَ إلى الإيضَاح: «لم أشعرْ أبداً بالأسفِ لسقوطِ نظام الأسد. في النّهاية لا يسقطُ إلا من يستحقُّ السّقوط. لم يحسنْ صيانةَ الإرث الذي انتقلَ إليه وتصحيحَ مكامنِ الخلل فيه وهي بنيويةٌ وكثيرة. اعتقد أنَّ السيطرةَ على القصر تعني السيطرةَ على دمشق، وأنَّ السيطرةَ على دمشق تعني السيطرةَ على سوريا. لم يلتفتْ إلى الآلام وكانت هائلةً، ولم يتوقفْ عند الأرقام وكانت مخيفةً. الظّلمُ والفقرُ والشعورُ بالقهر. لم يستطع بناءَ جسرِ الثّقة مع السّوري العادي، ولم يجرؤ على فتحِ النَّافذة أو سارعَ إلى إغلاقها. راهنَ على القوّة في إخضاع الناس».

ويضيف أنَّ الأسدَ «فقد صورة القوي بعد انسحاب القواتِ السورية من لبنان إثرَ اغتيال رفيق الحريري. وبعد اندلاعِ الثورة السورية كانَ الأمرُ واضحاً: قاسم سليماني يُمسك بمفاتيحِ المصير السوري أكثرَ من نجلِ حافظ الأسد. يمكن قولُ الشيء نفسِه عن حسن نصر الله. كانَ الأسد اللاعب الأضعفَ في هذا المثلث». ولم يخفِ أنَّه تخوَّفَ في الأيام الأولى «أن يديرَ الشرع سوريا بقاموس أبو محمد الجولاني الّذِي أمضَى سنواتٍ في سجنه العراقي».

قالَ السياسيُّ إنَّ طريق بيروت - دمشق كانت ممراً إلزامياً لمن يريد تعاطي الشَّأنِ العام إذا استثنينا قلةً اختارت مقاومةَ إصرار الأسدين على إدارة لبنان وإلحاقه، وإنَّ المسافرين على تلك الطريق كانوا يحلمونَ، دون المجاهرة أن تتعلَّم دمشقُ من بيروتَ، قدراً من الانفتاح في الاقتصاد والمرونة في السياستين الإقليمية والدولية.

لم يحدث ذلك؛ فقد راوحت علاقةُ سوريا الأسد مع تركيا بين الغرام والانتقام، قبل أن تستقرَّ في «محور الممانعة». ولم يتردد في القول إنَّ اللبنانيَّ اليوم يسأل لماذا لا تتعلَّم بيروتُ من دمشق، خصوصاً في ترتيب الأولويات وصناعة القرار، وبناء المصداقية الإقليمية والدولية.

رأى السياسي أنَّ الشرعَ اتّخذ بعد الإقامة الطويلة في إدلب، قراراً كبيراً؛ هو العودة إلى الخريطة السورية وإعادة ترتيب الأحلام ضمن حدودها. ترك الأحلام المترامية التي يمكن أن تنفجرَ بالإقليم وحاملها. اعتمدَ شعار «سوريا أولاً»؛ بمعنى إنقاذ وحدة سوريا وإعادة بناء اقتصادها واسترجاع اللاجئين والنازحين. وحقَّق في غضون سنة حضوراً إقليمياً ودولياً يكاد يعيد سوريا لاعباً بعدما بقيت ملعباً في عهد الأسد الابن.

كان المفتاحُ المصافحة مع الرئيس دونالد ترمب بدعم ومبادرةٍ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو ما أسقطَ قانونَ قيصر والعقوبات والسدود والعوائق. اختبارٌ آخرُ صعب. يعرف الشرع أنَّ المقاتلات الروسية كانت تتحيَّن الفرصة لاصطياده حين كانَ في إدلب. لم يستسلم لمشاعر الثأر. شعرَ بأهمية الورقة الروسيةِ لتخطي الماضي وإقامة قدرٍ من التوازن، متناسياً قصةَ المطالبة باستعادة الأسد لمحاكمته. وهكذا دخلَ الكرملين، وكذلك مراكز القرار الأوروبي.

سهَّلت شبكةُ العلاقاتِ الدولية للشرع إعطاء رسالة أنَّ سوريا الجديدة منهمكةٌ في تعزيز استقرارها وبناء ازدهارها، وليست معنية بسياسات زعزعة استقرارِ جيرانها، أو إمساك أوراق داخل خرائطهم. وسهلتِ الشبكة أيضاً التوصلَ إلى حلّ مع «قوات سوريا الديمقراطية»، على قاعدة التأكيد أنَّ سوريا الجديدة ستَّتسع لمختلف مكوناتها. وبواقعية شديدة، أدرك الشرع أنَّ ميزان القوى الجديد الذي قام بعد «طوفان السنوار» والحرب الإسرائيلية الوحشية رداً عليه، يلزم سوريا الخروجَ من الشّق العسكري في النزاع مع إسرائيل. وكل هذه القرارات كانت صعبةً للرجل الوافد من «النصرة» و«هيئة تحرير الشام».

طرحَ السياسيُّ سؤالين مهمين حول المستقبل؛ وهما: هل تستطيع القيادة الإيرانية إعادةَ ترتيب سياستها على قاعدة العودة إلى الخريطة؟ أي هل تستطيع إيرانُ العودةَ من حلم تغيير ملامح المنطقة عبر الاختراقاتِ والجيوش الموازية والممانعة، إلى حلم الاستقرار داخلَ الخريطة والبحث عن الازدهار والاستثمار؟ والمقصود هنا أن تكونَ إيران دولة طبيعية،؛ وهي دولة مهمة في الإقليم وصاحبة قدرات واسعة تتناقض ووضعها الاقتصادي الحالي، والتدهور في أوضاع مواطنيها وعملتها.

طرح سؤالاً لا يقلُّ صعوبة وهو: هل يستطيع «حزب الله» اللبناني العودةَ من رحلته الإقليمية المكلفة وإعادة ترتيب أوراقه وطموحاته بوصفه حزباً طبيعياً يمتلك صفة تمثيلية واسعة داخل بيئته، ومن دون التمسك بترسانته وتحميل لبنان ما يفوق طاقته؟ قال السياسي إنَّ ميزان القوى الجديد صريح ومؤلم. إسرائيل دولة متوحشة تملك تفوقاً تكنولوجياً صارخاً، علاوة على قرار دوليّ واضح بإطفاءِ نار المواجهة عبر الحدود مع إسرائيل.

استوقفني كلامُ السياسيّ اللبناني. قد لا يكون معبراً عن مشاعر جميع اللبنانيين، لكنَّه يعبر أغلبَ الظَّنّ عن مشاعر الأكثرية. للبنان مصلحة أكيدة في رفع شعار «لبنان أولاً»، وبناء علاقات طبيعية ندية مع سوريا، والإفادة من ورشة إعادة الإعمار في سوريا، وترميم الثقة الإقليمية والدولية بقدرته على القرار وبناء دولة جدية تعيد الإعمارَ وبناءَ الاقتصاد. إعادة بناء لبنانَ مزدهراً أفضل ردّ على السياسات الوحشية لحكومة بنيامين نتنياهو. عرقلة جهود الحكومة اللبنانية لن تؤديَ إلَّا إلى خسارة لبنان فرصة الخروج من الهاوية، ما قد يدفع العالمَ إلى الاستقالة من مصيره وتركه على قارعة الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكَّل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشرع بعيون لبنانية الشرع بعيون لبنانية



GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

GMT 13:01 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

دراما من أجل الوعي.. شكرًا لـ«المتحدة»

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 06:16 2025 الإثنين ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 03 نوفمبر/تشرين الثاني 2025

GMT 20:58 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تفتقد الحماسة والقدرة على المتابعة

GMT 14:33 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تتيح أمامك بداية العام فرصاً جديدة لشراكة محتملة

GMT 07:23 2020 الأربعاء ,15 كانون الثاني / يناير

خط "بيربري" الأسود على الجسم صيحة الإكسسوارات الجديدة

GMT 15:00 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

بوتاس يتوج بلقب سباق فورمولا-1 في أذربيجان

GMT 19:54 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

شيرين رضا تخطف الأنظار في ختام مهرجان "القاهرة السينمائي"

GMT 04:32 2018 السبت ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

علماء الآثار في الكويت يعلنون اكتشاف مذهل في موقع "بحرة 1"

GMT 19:50 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الفيلم الروائي "وأنا رايحة السينما" يعرض لأول مرة في "زاوية"

GMT 07:36 2017 الإثنين ,22 أيار / مايو

انهاء مهام مسئول أمني كبير في ولاية أمن طنجة

GMT 16:15 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

ياسمين صبري مذيعة لأول مرة في بودكاست Big Time

GMT 14:52 2023 الخميس ,03 آب / أغسطس

نصائح مهمة لتجنب مضاعفات مرض السكري
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib