الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف

الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف

المغرب اليوم -

الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

طلبَ الجنرال مظلوم عبدي من الرئيس أحمد الشرع ما لا يستطيع تقديمَه. لا يستطيع الشرع توزيعَ «سوريا الجديدة» على مكوناتها. اللامركزية الفعلية للمناطق الكردية تطرحُ على الحكم موضوعَ علويي السَّاحل ودروز السويداء. من دون سلطةٍ مركزيةٍ قويةٍ لا يمكن إغلاقُ الملعبِ السوري أمام اللاعبين الإقليميين. لا بدَّ من سوريا متماسكة للاستقرار الإقليمي. لا بدَّ منها لمنع عودةِ إيران. هكذا يفكر المهندسُ الدوليُّ للمصائر. الحلّ ليس تفكيكَ سوريا. الحلُّ إنصافُ الأكرادِ تحت سقف دولة عادلة. وقصةُ الكردي مع الخريطة مؤلمةٌ وطويلةٌ وتتعدَّى مسرحَها السوري.

يخافُ الكردي من الخريطة. لم يشارك في رسمِها. ولم تسأله عن تطلعاتِه. يرى حدودَها سدّاً لا جسراً. يراها جداراً بين أفراد العائلة. أحلامُه تفيض عن حدودها وتصطدم بها. ثم إنَّه أقلية فيها. وليس من عادةِ الخرائط التساهل مع الأقليات.

تخافُ الخريطة من الكردي. تشمُّ رائحةَ تبرّمه. يخالجُها شعورٌ أنَّه أُرغم على الصعود إلى القطار وأنَّه يتحيَّن فرصة القفز منه. تتَّهمه بفتح نوافذَ مشبوهة على علاقات مشبوهة.

يخاف الكرديّ من الخريطة. إنَّه مختلف في رحابها. وليس من عادةِ الخرائط القبول بحقّ الاختلاف. لا تنام الخريطةُ قريرةَ العين إلا إذا اتكأت على التَّشابه. تفضل الزِّيَّ الموحد. أن يشربَ سكانُها من النبع نفسه. وأن يتكلَّموا اللغةَ نفسها. وأن لا يضلعوا في مغامرات تقضُّ مضجعَها.

تخاف الخريطةُ من الجماعاتِ الموسومةِ بلونٍ مختلف. من الثقافة المغايرة. والفولكلور المختلف. ومن الأحلام السّرية التي تتفاقم وراءَ الستائر المغلقة. من المرارات التي يتوارثها الأولاد والأحفاد. من ذاكرة الانتفاضات المجهضة والأعراس الممنوعة.

ومن الظّلم اتهامُ الخرائط. لم ترسم أصلاً بحبر أبنائها. ولا بحبر أكثرياتِها. رسمَها الأقوياء وفق مصالحهم. لا يحضر الصغار على موائد الكبار. وما ذنبُ الخرائط الحالية إذا كانت معاهدة لوزان (1923) أطاحت الوعدَ الذي أغدقته على الأكراد اتفاقيةُ سيفر (1920)؟

هكذا توزَّع الأكراد خلافاً لإرادتهم أقليات في تركيا وإيران والعراق وسوريا. وفي غياب الأنظمةِ الرحبة الواثقة من شرعيتها يصعب تحقيقُ الاندماج أو الاعتراف بحق الاختلاف.

قبل نحو عقدين ذهبتُ لإجراء حوارٍ مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني. وجدت الرَّجلَ يجلس قرب علمين. علم العراق وعلم الإقليم. والمشهد ليس بسيطاً في هذا الجزء من العالم. وما كان للإقليم أن يولدَ مستنداً إلى الدستور لولا رغبةُ إيران وحلفائها في الداخل العراقي في إعطاء الأولوية المطلقة للتخلص من نظام صدام حسين.

استوقفني يومَها أنَّ الرَّجلَ الجالسَ قرب علمين وُلد في جمهورية مهاباد الكردية التي أُعلنت على الأراضي الإيرانية في 1946 ولم يُتحْ لها أن تحتفلَ بالشمعة الأولى. أعدمتِ القواتُ الإيرانية زعيمَ مهاباد قاضي محمد بتهمة الخيانة لكنَّ قائدَ قواتها المسلحة الملا مصطفى بارزاني تمكَّن من المغادرة في رحلته الملحمية إلى الاتحاد السوفياتي.

غادرت مقرَّ الإقليم وأنا أتساءل عن الرسالة التي يبعث بها المشهد إلى الأكراد المقيمين في سوريا وتركيا وإيران، الذين شكوا مراتٍ عديدة من المحاولاتِ القسرية التي تعرَّضوا لها للتعريب والتتريك والتفريس. أدرك مسعود بارزاني في ضوء تجربته الطويلة أنَّ أكرادَ العراق اغتنموا فرصةً تاريخيةً وحصلوا على إقليم يطمئنهم. أدرك في الوقت نفسِه أنَّ هذه التجربة غيرُ قابلة للنقل إلى خرائطَ أخرى، ولهذا نصح وفوداً كرديةً عدةً بالاكتفاء بتحسين ظروف حياة الأكراد داخل خرائطهم الحالية. نصائحه بسلوكِ طريق الواقعية وُجّهت أيضاً إلى الجنرال مظلوم عبدي ورفاقِه حين دخلت الخريطة السورية مرحلة الاضطراب الكبير.

لا يمكن إنكارُ أنَّ الكردَ تعرَّضوا لظلمٍ كبير ومديد. لكنَّ الواقعيةَ تفرض القول إنَّ الحلَّ لمشكلاتهم لا يكمن في تفكيك الخرائط الحالية لتسهيل تواصلهم الجغرافي والسكاني. عمليةُ تفكيكِ الخرائط في الشرق الأوسط ولادةٌ لحروب طويلة لا تنتهي.

ولا يمكن إنكارُ التضحيات التي قدَّمها أكراد سوريا في مواجهة تنظيم «داعش». وُلدت «قوات سوريا الديمقراطية» على دويّ هذه المواجهة وبرعاية أميركية كاملة. لكنَّ هذه القوات لم تكن صاحبةَ الدور الحاسم في إسقاطِ نظام بشار الأسد لتحجزَ لنفسِها حصةً موازيةً لتلك التي حصل عليها أكرادُ العراق الذين كانَ دورُهم معبراً إلزاميّاً لإسقاط نظام صدام حسين.

كانَ التغيير الذي حصلَ في سوريا كبيراً وهائلاً وأكبرَ من قدرة أكرادها على توظيفه لضمان تطلعاتهم أو جزءٍ كبير منها. وكانَ على الجنرال عبدي أن يتوَّقفَ طويلاً عند مشهد الرئيس أحمد الشرع يصافح الرئيسَ دونالد ترمب وعند خبرِ موافقة واشنطن على إلغاءِ كل مفاعيل قانون قيصر. وأن يتمعَّنَ طويلاً بإعلان الشرع أنَّ سوريا الجديدة لن تكونَ مصدر تهديد لأي من جيرانها، ما يعني خروجَ سوريا من الشّق العسكري في النزاع مع إسرائيل. وكانَ عليه أن يتعاملَ مع حقيقة أنَّ سوريا الشرع ترمز إلى تفكيك «محور الممانعة»، وأنَّها الضمانة لإبعاد إيران و«حزب الله» عن الخريطة السورية. كانَ عليه الالتفات إلى أنَّ سوريا المستقرةَ حاجة إقليمية ودولية وهذا يتقدَّم على تحالفات مع الأكراد فرضتها ظروف معينة.

الانتصار على «قسد» شيءٌ والانتصار على الأكراد شيءٌ آخر. يمكن معالجةُ الانتصار الأول بإعطاء الأكراد حقوقَهم الكاملةَ كمواطنين واحترام خصوصيتهم. الانتصارُ الثاني لا يؤسس إلا للمزيد من المآسي. وحدَها سوريا العادلةُ تستطيع كسرَ حلقةِ الكردي الخائفِ والكردي المخيف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف الكرديُّ الخَائف والكرديُّ المُخيف



GMT 15:51 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 12:29 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 12:27 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 12:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 12:19 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 12:12 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التبرع بالجلد معركة حضارية

GMT 12:07 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

هل تنتظر المونديال؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:52 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
المغرب اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib