مقدمات عالم مؤلم

مقدمات عالم مؤلم

المغرب اليوم -

مقدمات عالم مؤلم

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

قالَ صديقي: «لا تُضِعْ وقتَك في مطاردة أخبار السياسيين أو محاورتهم. دورُهم في صناعة مستقبل العالم انحسر. لم تعد الكلمةُ للحكومات والترساناتِ والأساطيل. مستقبل العالم يُصنع في المختبرات. لم تعد ثمةَ قيمةٌ للانقلابات والاستيلاء على قصر الرئاسة والإذاعة الرسمية. المعركةُ الحاسمة تدور في أروقةِ التكنولوجيا وفي الثوراتِ العلمية المتلاحقة». وأضاف: «سيغيّر الذكاءُ الاصطناعي كلَّ شيء. في التنميةِ والصحة والتعليم والاقتصاد والخدمات. مَن لا يلتحق بهذه الفتوحات الكبرى سيجلس على قارعةِ الماضي مهما امتلك من الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل. تذكّر جيداً أنَّ ظهور الهاتف الذكي أحدث تغييراً هائلاً في حياة الأفراد والمجتمعات، وهو في النهاية حدث بسيط قياساً على ما سيوفره الذكاء الاصطناعي. لا تخدعنك المشاهد المؤلمة والأخبار السيئة. المخاض طبيعي وسيكون العالمُ أفضل».

أحب التفاؤل والمتفائلين فلولاهم لجلس الناس تحت ركام يأسهم وخيباتهم. وأظهرت التجاربُ أنَّ التكنولوجيا وفّرت للناس أضعافَ ما كانوا يحلمون به، وفي مجالات كثيرة بينها الإعلام. وسّعت الحدود والآفاق وضمنت تدفق الأفكار والصور، وأوصلت الصحافيين والكتابَ إلى أماكن بعيدة. لكن مهنة ملاحقة الأخبار تدفعك أحياناً إلى قدر من التشكيك في أنَّنا نتَّجه إلى عالم أفضلَ حين تقرأ أنَّ الجيوش عاكفةٌ حالياً على توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير قدراتها الحربية، وأنَّ هذه الخبرات ستكون لاحقاً في تصرف الميليشيات والجيوش الجوالة وعصابات الجريمة المنظمة.

استمعت باهتمام إلى أحلام صديقي وعدت إلى العمل. استوقفني خبرٌ طريف لا تنقصه القدرة على الإيلام. طلبت السلطات في كوريا الشمالية من المواطنين أن يفعلوا المستحيل من أجل حماية اللوحات التي تصوّر «سلالة كيم»، وذلك ضمن الاستعدادات لمواجهة الرياح القوية والأمطار الغزيرة المتوقعة ضمن العاصفة الاستوائية المقتربة «خانون». وأوضحت «رودونغ سينمون» الصحيفة الرسمية للحزب الحاكم أنَّ أولوية الشعب يجب أن تكونَ «ضمان سلامة» اللوحات الدعائية للزعيم الحالي كيم جونغ أون، ووالده كيم جونغ إيل وجدّه، مؤسس كوريا الشمالية، كيم إيل سونغ. ووفقاً لموقع «أخبار كوريا الشمالية» فإنَّ صور كيم جونغ أون وكيم إيل سونغ معلقة في كل منزل ومكتب، وإذا دمَّرها شخص، ولو عن طريق الخطأ، قد يواجه حكماً بالإعدام.

ذكرني الخبر بلذة الإقامة في بريطانيا، حيث لا تطالبك الحكومةُ بإنقاذ أي صورة إذا لوّحت عاصفة بالوصول. يمكن قول الشيء نفسه عن الإقامةِ في لبنان رغم تداعيه وانتقاله من قاع إلى قاع. ثم إنّني واثق بأنَّ الزعيم الكوري الشمالي الذي لا يمكن إنكار لمساتِ صواريخه في أنحاء مختلفة من العالم لن يتأخر في استيراد الذكاء الاصطناعي بمختلف الوسائل لوضعه في خدمة ترسانته. جميل أن تستطيع العيشَ في منزلك من دون أن يتمكَّن السيد الرئيس القائد أو جدّه من مراقبة ابتساماتك أو إحصاء أنفاسك.

لسنا في عالم أفضل بالتأكيد. يمكن القول إنَّ وضع كيم جونغ أون أفضلُ ممَّا كان عليه قبل حفنةِ سنوات، حين كان نظامُه يعيش فيما يشبه العزلة. لقد عثر الزعيم المبجّل على دور حيوي في العالم الذي ولد على دوي «العملية العسكرية الخاصة» التي أطلقها الرفيق فلاديمير بوتين على الأراضي الأوكرانية. لقد شاهد العالمُ بأسره قبل أسبوعين الزعيم الكوري الشمالي يحتفل بذكرى الهدنة بين الكوريتين بعرض عسكري لمعت فيه مسيّرات وصواريخ باليستية عابرة للقارات ذاتَ قدرة نووية. والأهم أنَّه كان يطلق ابتسامتَه، محاطاً بمسؤول صيني وبضيف استثنائي هو وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي حظي باستقبال حار. وتردّد في الفترة الماضية أنَّ الجيش الروسي الذي يحارب في أوكرانيا يغرف حالياً من ترسانة الرفيق كيم.

يمكن أن نضيف إلى لمعان الدور الكوري الشمالي تلك المشاهد الوافدة من البحار عن غرق «قوارب الموت» وجثث اللاجئين الهائمة في البحار. والأكيد هو أنَّ الظاهرة الموجعة مرشحة للاتساع، لأنَّ الدول الفاشلة التي تدفع عدداً من شبانها إلى أنياب البحر هرباً من الفقر والتسلط والفساد لم تتعلم وترفض أن تتعلم. هذا علاوة على الدراسات التي تؤكد أنَّ الاحترار المناخي سيتسبب في هجرات مليونية، خصوصاً من البلدان المهددة بالتصحر والجفاف، التي يحتفل الأقوياء فيها بأختام السلطة بغض النظر عن الكوارث المقتربة. ولا تقل إيلاماً الحرائق التي تلتهم الغابات من الجزائر إلى كندا مروراً باليونان والرتغال وغيرهما، في مشاهد مروعة تشبه احتراق لحم الأرض.

وللمشهد تتمة هي ما نراه في أفريقيا. ملايين الجائعين في السودان الذي يتلوى على نيران «حرب الجنرالين». جوع في البلاد التي قيل لنا ذات يوم إنَّها يمكن أن تكون سلة غذاء لأبنائها وللمنطقة المحيطة. ولا يصحُّ أن ننسى عودة أفريقيا إلى لغة الجنرالات والانقلابات والرهان على مساهمات زعيم «فاغنر» الذي يحب الحروبَ ويعشق المناجم. صحيح أنَّ فيديل كاسترو أرسل قوات ذاتَ يوم إلى أنغولا وإثيوبيا لكنه كان كاسترو، وأرسلها في عالم آخر. وأخطر ما في اللعبة أنَّ زعزعة استقرار أفريقيا ستوفر لـ«داعش» فرصة التحصن في الغابات والصحاري، ما يعد القارة بمزيد من الحروب والفقر والآلام.

الاحترار المناخي. تزايد الفقر. «قوارب الموت». الأمن الغذائي المهدد. زعزعة الاستقرار. تكريس العودة إلى لغة القوة. نهر الدم الأوكراني - الروسي. الجمر المهدد بالاستيقاظ في تايوان وحولها. خوف أميركا من الصعود الصيني. وخوف الهند من المارد الصيني. وخوف الدول الصغيرة من صراع الفيلة. كلها عوامل تنذر بأنَّنا نندفع إلى الإقامة في عالم شديد الخطورة يفتقر إلى الكوابح وصمامات الأمان. من حق العالم أن يحتفل بالذكاء الاصطناعي، لكن من واجبه أن يتذكر أن التقدم التكنولوجي المذهل يترافق مع افتقار صارخ إلى التقدم الإنساني. تكفي الإشارة إلى أن دور غوتيريش لا يتعدى إطلاق التحذيرات ونظم المراثي وتنظيم الجنازات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقدمات عالم مؤلم مقدمات عالم مؤلم



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 04:19 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

6 قتلى في غارتين إسرائيليتين على غزة
المغرب اليوم - 6 قتلى في غارتين إسرائيليتين على غزة

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 08:27 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:23 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 10:45 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

ليلي علوي تلتقي الفنان وليد توفيق في الكويت

GMT 12:48 2016 الخميس ,21 إبريل / نيسان

هل ينتهي الحب بعد الـ 3 سنوات الأولى !

GMT 01:03 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

أحمد خليل يُعرب عن سعادته بنجاح "رسايل" و"كإنه إمبارح"

GMT 09:47 2018 الخميس ,04 كانون الثاني / يناير

أسبتب تدشبن مباراة المغرب والكامرون بدون جمهور

GMT 22:35 2023 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

الزلزال السياسي بين الرباط وباريس قد يستمر طويلاً

GMT 17:28 2022 الجمعة ,07 كانون الثاني / يناير

لودريان يُرحّب بعودة السفير الجزائري إلى باريس

GMT 16:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحوت" في كانون الأول 2019
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib