بقلم : طارق الشناوي
كثيراً ما شاركته فى ندوات، حدث هذا فى التسعينيات، إلا أنه فى الثمانينيات، كان فى مقعد الأستاذ، نتابعه بشغف فى البرامج وننتظر بشغف حضوره فى اللقاءات.
متعة أن تشاهد سمير سيف وهو يحلل فيلماً، يتعمق فى شرح حركة الكاميرا والإضاءة والمونتاج وأسلوب قيادة الممثل، وتتمنى ألا ينتهى من تلك الومضات الإبداعية التى تعيد تفكيك الفيلم لعناصره الأولية، وكيف أدت كيميائية التفاعل بين عناصره إلى كل هذا السحر.
التقيت مع المخرج الكبير فى العديد من المهرجانات خارج مصر مثل «كان»، هو والسيدة زوجته حريصان على الحضور، وعندما تتاح الفرصة نتسامر ونتجاذب الحوار، لديه مخزون رائع، يملك ذخيرة لا تنفد من الحكايات، دقيق جداً فى السرد، عندما يتشكك فى معلومة لا يتورط فى تقديم إجابة، يقول فقط: «لا أعلم»، عاشق للموسيقى والغناء الشرقى، وأذن تستطيع التقاط ومضات الجمال، أذهلنى وهو يتناول رؤيته لكبار ملحنينا وكأنه ناقد موسيقى متخصص.
فى مشواره ثلاثة رسموا خريطته الإبداعية، فهو كما قال لى كانوا يطلقون عليه الابن الروحى للمخرج حلمى حليم، أستاذه فى معهد السينما دفعة ٦٩، وظل قريباً منه ومدركاً لإبداع هذا المخرج الكبير، الذى ظلمه التاريخ فهو مخرج «أيامنا الحلوة» بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف وعبد الحليم، ثم منح حليماً البطولة بعدها فى «حكاية حب»، حكى لى سمير الكثير من الكواليس مثل احتفاظه بخطاب نادر أرسله الشاعر مرسى جميل عزيز، لعبد الحليم، حصل عليه بين أوراق حلمى حليم، مليء بالعتاب، ولأنه يعرف شغفى بتلك التفاصيل وعدنى بالاطلاع عليه، فى أقرب فرصة، إلا أنه — وحتى رحيله عام ٢٠١٩ — الفرصة لم تأتِ.
الاسم الثانى الذى رسم خريطته، المخرج الكبير حسن الإمام، بدأت العلاقة وهو لا يزال طالباً فى معهد السينما، وكان مساعداً له فى فيلمى «قصر الشوق» و«السكرية»، وعندما صار مخرجاً ظل وفياً لأستاذه حسن الإمام، وأهدى له فيلمه «شوارع من نار»، استلهم من حسن الإمام الحس الجماهيرى، أما الاسم الثالث الذى رسم بورتريه سمير سيف فإنه نور الشريف، آمن نور بموهبة سمير، وعندما حان وقت الإخراج، منحه أول فرصة «دائرة الانتقام»، وحقق الفيلم إيرادات ضخمة، ويعقبه أيضاً لنور فيلمه الثانى «قطة على نار»، ويحتل نور الشريف مساحة مميزة على خريطة أفلام سمير سيف، ويأتى هو وعادل إمام فى المقدمة فى عدد الأفلام، وبعدهما محمود عبد العزيز وأحمد زكى.
سمير سيف أستاذ «الأكشن»، الخطوة التالية تاريخياً بعد كمال الشيخ، لديه ومضاته الخاصة جداً فى اكتشاف المواهب الكامنة داخل الممثل، قدم لعادل إمام أحد أهم أفلامه فى فن الأداء «الهلفوت» تأليف وحيد حامد، ونضيف أيضاً لعادل من إخراج سمير «الغول»، بينما مثلاً فى فيلم «غريب فى بيتى» اكتشف سمير بداخل نور الشريف روح الكوميديان الناعم.
فى الأفلام السياسية، تتوقف أمام «الراقصة والسياسى» و«معالى الوزير» و«سوق المتعة»، من إبداع الكاتب وحيد حامد، الذى احتل المساحة الدرامية الأكثر عمقاً على خريطة سمير، كما أن سمير على الجانب الآخر هو أكثر مخرج احتل المساحة الأكبر سينمائياً وتليفزيونياً على خريطة وحيد، لديكم مثلاً جرأة «الغول» أدت لانزعاج الرقابة والتهديد بمصادرة الشريط، بينما «الراقصة والسياسى»، احتاج حتى يقفز فوق أسوار الرقابة إلى مهارة لاعب أكروبات وليس فقط مخرجاً.
سمير يمزج بترمومتر دقيق جداً الفن الخالص، بالإحساس الجماهيرى، قادر على قراءة جمهوره بدرجة عالية من الشفافية، مدركاً مفرداته، ورغم ذلك فهو لا يقدم أفلاماً على مقاس الجمهور، يحاكى المخرج العالمى ألفريد هيتشكوك فى تلك المقولة: «الفيلم قطعة جاتوه وليس رغيف خبز»، وحرص فى أفلامه أن تظل لها رائحة ومذاق «الجاتوه».
يتمتع بمرونة فى التعامل مع نجوم الشباك، يترك مساحة مقننة من الإضافة، محسوبة بدقة، هكذا رأيت مثلاً محمود عبد العزيز فى «سوق المتعة» وأحمد زكى فى «معالى الوزير»، وعادل فى «الهلفوت»، يوماً سألت وحيد حامد: ما هى الأفلام التى تتمنى أن يعيدها مجدداً للشاشة مروان حامد؟ أجابنى: «سوق المتعة» و«ديل السمكة» وهما من إخراج سمير سيف، وعندما سألت مروان قال لى: «المخرج الكبير سمير سيف أستاذى، ومن المستحيل أن أضيف أى شىء لأستاذى».