تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

المغرب اليوم -

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

كيفَ ترى المدارسُ الفكريةُ المختلفةُ في العلاقات الدوليةِ والأمن الإقليمي معضلة إيران؟ وهل تستحق المواجهةَ العسكرية؟ وما التكلفة السياسية والاستراتيجية لمثل هذه المواجهة؟

تخيّل نفسك لساعتين في غرفة واحدة مع أهم منظّري العلاقات الدولية كما عرضتهم أنت: جون ميرشايمر وستيف والت، ومن قبلهما كينغ والتز، وحتى هانز موجنثاو. كيف سيقرأ هؤلاء الكبار معضلة إيران وطريقة تعاطي الولايات المتحدة معها؟

تنطلق الواقعية السياسية، بشقّيها الهجومي والدفاعي، من فرضية مركزية: المشكلة ليست في طبيعة النظام السياسي، أيّ نظام، وليس في إيران وحدها، بل في البيئة الأمنية التي تتحرّك داخلها الدولة. أي دولة، وليس إيران حصراً.

فالواقعيون لا ينظرون إلى الآيديولوجيا بوصفها محركاً أول للسلوك، بل يرون أن الخوف وانعدام اليقين وتوازنات التهديد هي التي تدفع الدول إلى خياراتها القصوى.

من هذا المنطلق، لا يرى لا ميرشايمر ولا والت أنَّ «تغيير النظام» يمكن اعتباره حلاً استراتيجياً. فحتى لو تغيّر النظام في إيران غداً، فإنَّ البيئة الإقليمية نفسها التي تحرَّك فيها النظام السابق ستظل هي الإطار الذي يعمل داخله النظام القادم. التهديدات هي ذاتها، والخرائط الأمنية لم تتبدّل، وشعور الدولة بأنَّها محاطة بخصوم محتملين لن يتغيّر بتغيّر الخطاب السياسي أو المرجعية الآيديولوجية.

ولهذا؛ يصبح سعي الدولة إلى امتلاك أدوات ردع قصوى خياراً عقلانياً في منطق الواقعية، لا تعبيراً عن نزعة عدوانية فريدة. فالفرق بين إدراك التهديدات الحقيقية والمتخيّلة ليس كبيراً في حسابات البقاء. المهم أنَّ الدولة تعتقد بوجود تهديد، وأنَّ بيئتها الأمنية لا تمنحها ضمانات مستقرة.

في هذا السياق، يكون الحل الواقعي هو إعادة ضبط ميزان التهديد على مستوى الإقليم كله، لا عبر ضربات عسكرية جزئية، بل عبر بناء ترتيبات ردع مستقرة، وقنوات تواصل أمنية دائمة، تقلّل من مخاطر سوء التقدير وسوء الفهم، وتمنع الانزلاق غير المقصود إلى حرب واسعة لا يريدها أحد، لكنها تظل ممكنة في بيئة عالية التوتر.

في المقابل، لو حضرت محاضرة لروبرت كوهين، الذي ينطلق من فرضيات الليبرالية المؤسسية، لوجدت أن منظوره يختلف جذرياً عن منظور الواقعيين. فروبرت كوهين لا يرى أنَّ معالجة أزمة بحجم الأزمة الإيرانية يمكن اختزالها في الردع العسكري، ولا في ميزان القوة وحده.

من هذا المنظور، ليست القوة العسكرية سوى أداة من بين أدوات متعددة. الاستقرار، في رأيه، يمكن أن يُبنى من خلال إدماج إيران داخل شبكة طويلة الأمد من الالتزامات المؤسسية، تقوم على آليات تحقق دولية فعّالة، وحوافز اقتصادية، وترتيبات تعاون إقليمي تجعل تكلفة الخروج من النظام التعاوني أعلى من تكلفة البقاء داخله.

وحتى داخل هذه الرؤية، لا تظهر فكرة «تغيير النظام» شرطاً ضرورياً. فالمهم ليس مَن يحكم، بل كيف تُهندَس القواعد التي يتحرك داخلها النظام. فإذا نجحت هندسة الحوافز، ورأت إيران أنَّ وجودها داخل منظومة أمن إقليمي تعاوني يخدم استمراريتها كدولة، فإنَّ منطق المواجهة الصفرية يفقد جزءاً كبيراً من جاذبيته. بكلمات أخرى: هندسة الحوافز هي الحل، لا هندسة الأنظمة.

أما إذا صادفت أليكساندر ويندت وجماعة البنيوية في العلاقات الدولية، فستسمع طرحاً مختلفاً جذرياً. فالمشكلة الأساسية، في رأيهم، ليست في المصالح كما يركز كوهين، ولا في توزيع القوة كما تركز الواقعية، بل في الصور الذهنية المتبادلة، وفي تمثلات الهوية، وفي إدارة الانطباعات الخاطئة التي تدفع الدول أحياناً إلى مسارات تصعيدية لا تخدم مصالحها الفعلية.

في هذا المنظور، لا أميركا هي «الشيطان الأكبر» كما ترى القيادة في طهران، ولا إيران هي أصل الشر في الإقليم كما يصوّرها بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب. ومع ذلك، ترى واشنطن إيران بوصفها تهديداً بنيوياً دائماً، وترى طهران الولايات المتحدة قوة تسعى، في جوهر استراتيجيتها، إلى إضعاف النظام أو تغييره متى سنحت الفرصة.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ أي اتفاق بين إيران وأميركا سيظل اتفاقاً هشاً ما دامت هذه الصور الذهنية المتبادلة هي التي تحدد الرؤية الاستراتيجية للطرفين. البنيوية لا تدعو إلى «تغيير الثقافة الإيرانية»، ولا إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية، بل إلى تغيير إطار تفسير السلوك والنيات لدى الطرفين، عبر مسارات تواصل طويلة الأمد، وتراكم تدريجي للثقة، يسمح بإعادة تعريف التهديد خارج منطق النوايا الخبيثة الدائمة.

ولو افترضنا أنَّك قابلت كل هؤلاء الأساتذة في يوم واحد، وجمعت هذه الرؤى المختلفة بعد تأمل، لأدركت بوضوح أنَّ حلَّ المعضلة الإيرانية لا يقوم على تغيير النظام، ولا على إعادة تشكيل المجتمع الإيراني، بل على فهم الأزمة على ثلاثة مستويات مترابطة.

المستوى الأول يتعلق بتعديل البيئة الأمنية الإقليمية الممتدة من إيران، مروراً بتركيا، وصولاً إلى الخليج والمغرب.

والمستوى الثاني يقوم على بناء منظومة مصالح مؤسسية طويلة الأجل بين دول الإقليم، لا تقوم على صفقات ظرفية أو تطبيع مجاني، بل على شبكات اعتماد متبادل تجعل تكلفة الصراع أعلى من تكلفة التعاون.

أما المستوى الثالث، فيتعلق بالعمل التدريجي والمنهجي على تفكيك الصور الذهنية العدائية التي بلغت مداها.

من هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: هل يُعدّ الحشد العسكري الأميركي استعداداً لضربة محتملة على إيران سلوكاً عقلانياً؟ وفق المنظور الواقعي، لا تكون القوة مجدية إلا إذا حققت مكسباً استراتيجياً دائماً، أي منع إيران فعلياً من امتلاك قدرة ردع نووي قابلة للحياة. غير أنَّ المفارقة، حسب الواقعية نفسها، أنَّ النتيجة المرجحة هي العكس تماماً: تسريع اندفاع إيران نحو ترسيخ الردع، وتعميق منطق الاعتماد على الذات، ورفع تكلفة الاحتواء المستمر على الولايات المتحدة وحلفائها.

أمَّا الليبرالية المؤسسية، فترى أنَّ التصعيد العسكري، حتى لو نجح تكتيكياً، يضعف منظومات التفتيش والرقابة، ويقوّض الثقة في الأطر التعاونية الدولية، ويدفع إيران إلى الانسحاب من مسارات الضبط بدلاً من تعميقها.

في حين تضيف البنيوية أنَّ الحشد العسكري يعيد إنتاج سرديات العداء المتبادل، ويغلق أي نافذة لتحول إدراكي في النوايا، ويجعل من الصعب إعادة تعريف الصراع خارج منطق المواجهة الصفرية.

وعليه، لا تكمن المعضلة في نقص أدوات القوة، بل في سوء تشخيص طبيعة الصراع ذاته. فإيران ليست مجرد ملف تقني مرتبط ببرنامج نووي، بل عقدة أمنية وإدراكية ومؤسسية مركّبة. ومن دون معالجة متزامنة للبيئة الأمنية الإقليمية، وشبكة الحوافز المؤسسية، والبنية الإدراكية للصراع، ستظل المواجهة العسكرية طريقاً مرتفع التكلفة لإدارة أزمة ولا تقترب فعلياً من حلها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib