سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

المغرب اليوم -

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب

بقلم: سليمان جودة

من الأدعية التي يرددها الخطباء على منابر المساجد هذا الدعاء: «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين».

وهو دعاء يؤسس لدرجة من السلبية غير عادية، ويؤسس لنوع من التكاسل غير طبيعي، ونوعية من التخاذل غير معهودة في أي جماعة لديها إرادة. ويبدو الذين يدعون به وكأنهم يستدعون السماء لتقاتل عنهم معاركهم، وتهلك أعداءهم الظالمين، بينما هُم لا يفعلون شيئاً، ولا يبادرون بشيء، ولا يبذلون جهداً في مقاومة الظالمين!

ولو بحثنا عن مثال عملي للعمل بهذا الدعاء هذه الأيام، فلن نجد أفضل مما يردده كثيرون بيننا عما كان بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل منذ نشأتها، وعما لم يعد يقوم بينهما كطرفين عاشا متحالفين.

نقرأ ونسمع عما كان بينهما، وعما هو غير قائم قياساً على ما كان قائماً طول الوقت، فيستدعي عقلنا ذلك الدعاء الذي يردده الخطباء غالباً في خطبة الجمعة، وفي كل خطبة سواها، بينما الجالسون بين أيدي الخطباء في كل مناسبة يقولون: آمين.

نسمع ونقرأ معنى الدعاء في حديث كثيرين بيننا عما كان بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس حكومة التطرف في تل أبيب بنيامين نتنياهو، قبل أن يذهبا إلى إعلان حربهما على إيران آخر فبراير (شباط) الماضي. ثم نسمع ونقرأ معنى الدعاء نفسه في حديثنا عما لم يعد قائماً بينهما هما نفسيهما في مرحلة التفاوض الأميركي - الإيراني، وصولاً إلى الاتفاق الذي جرى الإعلان عنه بين واشنطن وطهران قبل ساعات، والذي من المرتقب أن يجري التوقيع عليه في الغد.

نسمع ونقرأ عن أن علاقة إسرائيل التقليدية بالولايات المتحدة لم يعد لها وجود، وأن ما كان بينهما من قوة في العلاقة ومتانة، لن يكون في قادم الأيام كما كان فيها من قبل، وأنه لا دليل على ذلك أكثر من أن إدارة ترمب قد أبعدت نتنياهو عن تفاوضها مع إيران، وعن اتفاقها معها، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه صرح بعد الإعلان عن الوصول إلى الاتفاق بأنه يجهل ما فيه.

نسمع هذا ونقرأ عن كل ذلك فلا نكاد نستسيغه، ولا تتقبله رؤوسنا، ولا يهضمه عقلنا، والأهم أن ما نسمعه ونقرأ عنه بهذا الشأن يعيدنا بشكل تلقائي إلى الدعاء إياه، ويجعلنا نرى أن العرب الذين عليهم أن يتصدوا للغطرسة الإسرائيلية بأنفسهم، لا يبذلون ما لا بد من بذله في سبيل هذا التصدي، ويجدون في إشارات تراجع العلاقة بين ترمب ونتنياهو ما يعوضهم عن تخاذلهم في القيام بما يتعين أن يقوموا به.

فكأن الرئيس الأميركي وهو يُقصي رئيس الحكومة الإسرائيلية عن الوجود في مرحلة التفاوض مع إيران، ثم في مرحلة الوصول لاتفاق، إنما كان يقاتل معركتنا، ويحارب على جبهتنا نحن العرب، وينتصر لقضيتنا نحن العرب والمسلمين والفلسطينيين!

أو كأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل هي علاقة بين ترمب ونتنياهو وفقط، فإذا مضيا إلى حال سبيلهما حين يأتي أوان انصرافهما، بقيت علاقة البلدين على فتورها الذي نعرفه معهما، وضاع الرصيد الذي تراكم بين واشنطن وتل أبيب على مر السنين!

إن وضع العلاقة في هذا المربع أمر غير صحيح، وغير دقيق، ولا يعدو أن يكون تعاملاً بالأماني، أما التعامل بحقائق الواقع فقضية أخرى لا تحصر العلاقة في مزاج رئيس في البيت الأبيض سوف ينصرف إذا انقضت فترته، أو في هوى رئيس حكومة في تل أبيب تآكلت شعبيته التي تحايل طويلاً في بنائها، وصار يقف عارياً أمام ناخبيه الذين دعاهم للمجيء به في كل سباق انتخابي، وكان يتفنن في خداعهم في كل مرة بشتى الأساليب والألاعيب.

القصة بين واشنطن وتل أبيب محكومة بشيء آخر، وهذا الشيء هو قوة أو ضعف جماعات الضغط اليهودية داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، ولا علاقة لها بوجود رئيس مثل ترمب أو رحيله. قد تمر العلاقة ببعض الفتور كما هي في مرحلة التفاوض مع إيران، وكذلك مرحلة الإعلان عن الوصول إلى اتفاق معها، ولكنه فتور بين إدارة ترمبية وحكومة يرأسها نتنياهو، فإذا غادر الاثنان موقعيهما، ولا بد أن يغادرا ذات يوم، فسوف تعود العلاقة إلى الأسس الأولى التي قامت عليها منذ نشأت.

إن ترمب نفسه تعرض للغدر من الصوت اليهودي في سباق 2020 إلى البيت الأبيض، واختارت غالبية اليهود وقتها التصويت للمرشح المنافس جو بايدن، وقد حدث هذا رغم ضخامة ما قدمه ترمب في رئاسته الأولى لإسرائيل، ومع ذلك، فإنه عاد يقدم لها في رئاسته الثانية أكثر مما كان قدم في الأولى، لولا سحابة الصيف العابرة هذه بينه وبين نتنياهو في ما يبدو للمتابعين من بعيد.

سوف تمر هذه السحابة، وإذا دامت فلن تدوم لأبعد من رحيلهما عن المنصب أو رحيل أحدهما، وعندها سوف يأسى الذين راحوا يبتهجون لفتور العلاقة بينهما، وكأن الفتور مقدمة لهلاك الظالمين بالظالمين، ثم خروج المبتهجين من بينهم سالمين!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب سحابة صيف بين واشنطن وتل أبيب



GMT 04:31 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

«اللايطاني»

GMT 04:30 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

جي دي فانس ونظرية المؤامرة

GMT 04:29 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

أزمات إيران تعمّق تركيزها على «حزب الله»!

GMT 04:28 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني

GMT 04:27 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

استكشاف الأهرامات بالديناميت

GMT 04:26 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

أوقفوا العسكرة!!

GMT 04:25 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

ليبيا وحوارها المهيكل

GMT 04:21 2026 الخميس ,18 حزيران / يونيو

إبراهيم نافع!

GMT 16:02 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تستعيد حماستك وتتمتع بسرعة بديهة

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 23:47 2017 السبت ,28 تشرين الأول / أكتوبر

عبدالرزاق حمدالله يسجل للريان ضد السد

GMT 23:19 2023 الإثنين ,28 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الإثنين 28 أغسطس /آب 2023

GMT 01:39 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

سماع دوي انفجارات قرب جزيرة قشم في مضيق هرمز

GMT 21:35 2020 الخميس ,23 إبريل / نيسان

التأثير النفسي لألوان دهانات الحوائط

GMT 06:53 2018 الإثنين ,14 أيار / مايو

فوائد الصبار لترطيب بشرتك

GMT 03:58 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

طرق مستحدثة لحمامات سباحة بأقل تكلفة في فناء المنزل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib