على باب المتحف

على باب المتحف

المغرب اليوم -

على باب المتحف

سليمان جودة
بقلم : سليمان جودة

لو شئنا أن نضع عبارة على باب المتحف المصرى الكبير، فلن نجد أفضل من العبارة التى خاطب بها نجيب محفوظ العالم عندما فاز بجائزة نوبل فى الأدب.

كان ذلك فى مثل هذه الأيام تقريباً من عام ١٩٨٨، وكان على نجيب محفوظ أن يلقى كلمة عند تسلم جائزته فى العاصمة السويدية استوكهولم، وقد جهز كلمته بالفعل لولا أنه لم يكن يحب السفر، فأرسل ابنتيه أم كلثوم وفاطمة تتسلمان الجائزة، ودعا الأستاذ محمد سلماوى إلى إلقاء الكلمة نيابةً عنه أمام الحاضرين فى حفل التسليم.

ولأن الحفل كان مذاعاً فإن الكلمة كانت تخاطب العالم الذى يتابع الحفل، بقدر ما كانت تخاطب الذين حضروا فى قاعة الاحتفال. وقد اختار محفوظ أن يستهل كلمته بعبارة تقول: أنا ابن حضارتين.. الحضارة الفرعونية، والحضارة الإسلامية.

هذه هى عبارته الموجزة جداً، والتى أراد بها أن يقدم نفسه، بل وربما يقدم بلده، إلى الذين سمعوا بفوزه ولم يعرفوا شيئاً عنه ولا عن بلاده التى نشأ فيها.

ولكنه لم يشأ أن يترك العبارة بغير شرح ولا تفسير، وإنما ذهب يشرح ماذا يعنى بالضبط أن يكون أديب مثله ابناً للحضارة الفرعونية. قال فى شرح عبارته إنه سيختار موقفاً من كل حضارة من الحضارتين يشير إلى السر الأكبر فيها.

شرح أكثر فقال إن ملكاً من ملوك مصر القديمة استيقظ ذات يوم على جريمة فى القصر، فجلس يفكر ماذا عليه أن يفعل لفك غموض الجريمة؟ وقد استدعى القائمين على شؤون القصر واجتمع بهم، وعند ختام الاجتماع قال: أريد الحقيقة لأحكم بالعدل.

هذه الكلمات الأربع هى سر حضارة مصر القديمة فيما رأى أديب نوبل لأنها تكشف عن قيمة كبرى فى تلك الحضارة. فالملك كان فى مقدوره أن يعاقب كل مَنْ يأتى اسمه فى مسرح الجريمة أو فى الطريق إليها. كان فى إمكانه أن يفعل ذلك بغير أن يراجعه أحد، ولكنه أبى إلا أن يعرف الحقيقة أولاً ليحكم ثانياً، ولأنه تمسك بأن يكون الحكم عادلاً، فإنه أيقن مسبقاً أن الحكم لا يمكن أن يكون عادلاً ما لم يستند إلى الحقيقة كاملة.

إنها قيمة كبرى قامت عليها الحضارة الفرعونية، وهى قيمة راح الملك يجسدها فى كلماته الأربع سعياً وراء الجانى، ولا بد أن حضارة كهذه تستحق أن تُزار فى المتحف الكبير، كما لا بد أن مصر المعاصرة مدعوة إلى الاقتداء بتلك الحضارة الأم، وبالذات بتلك القيمة الكبرى التى أسس لها الملك، وهو يحقق فى وقوع الجريمة فى نطاق القصر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

على باب المتحف على باب المتحف



GMT 08:52 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

كتاب المسؤولية يقول

GMT 00:19 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

ضحية الأب

GMT 00:17 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

قصتى مع الكتب!

GMT 00:15 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مرة أخرى: المسئولية الإقليمية لمصر !

GMT 00:13 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

دواعش الغرب... مشكلته

GMT 00:12 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مجنون أفريقيا الرهيب

GMT 00:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

GMT 00:10 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

نهاية «ستارت 3»... عالم بلا حدود نووية

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:44 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

"ميشال فاضل يتألّق في مدينة "الملك عبدالله الإقتصادية

GMT 13:55 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

شركة اسرائيلية تنقب عن النفط والغاز الطبيعي في الداخلة

GMT 18:00 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

نقابة المهن التمثيلية تنفي شائعة وفاة أشرف عبدالباقي

GMT 04:34 2013 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية تعلن إنهاء إجراءات سفر أكثر من 56 ألف أجنبي مخالف

GMT 05:06 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

أسوأ الأحذية التي يجب عدم ارتدائها مع الجينز

GMT 07:27 2018 الثلاثاء ,17 تموز / يوليو

عودة "الشباشب العصرية" من جديد إلى منصّات الموضة

GMT 04:43 2018 الخميس ,28 حزيران / يونيو

اهتراء شبكة التوزيع يحرق أسلاك الكهرباء في وزان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib