اختبار الجيل العظيم

اختبار الجيل العظيم

المغرب اليوم -

اختبار الجيل العظيم

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

التاريخ يكتب بأكثر من طريقة، مرة باعتباره صراعاً بين الطبقات الاجتماعية، ومرة أخرى بالغزوات والتراجعات، والانتصارات والانكسارات، والتقدم والتخلف، وهناك ما هو أكثر. كتاب «الجيل العظيم» الذي نشره توماس جون (توم) بروكاو عام 1998 يتناول الدور الذي تلعبه أجيال في فشل المجتمعات أو تحقيق عظمتها وقدرتها على تغلب أزمنة صعبة ومستحيلة ومنذرة. قصته في الكتاب مع الجيل الأميركي اعتباراً من 1929 في قلب «الكساد العظيم» بكل ما احتوى عليه من فقر وجوع؛ وبعد عقد من الزمان حين بات في مواجهة الحرب العالمية الثانية. خلال عقد ونصف العقد حمل الجيل الأميركي على أكتافه مهمة الخروج من المأساة ثم التغلب على كل شيء وخروج الولايات المتحدة من الظلام إلى النور، ومن القهر إلى العظمة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن دولة بازغة انسحبت من قدرها بعد الحرب العالمية الأولى إلى القوة العظمى الأولى في العالم التي تقتل بالقنبلة النووية؛ وبعدها تصعد إلى الفضاء.

سوف نترك الولايات المتحدة جانباً، وننظر في واقعنا العربي الذي يبدو لي وقد استقر له جيل جديد بات عليه أن يغالب قرابة نصف قرن بعد «النكسة» ليس فقط في الحرب مع إسرائيل؛ وإنما «الهزيمة» في اختبار الدولة المستقلة حديثاً، والتي تخلصت من الاستعمار. المحنة لم تعكس فقط انكساراً في موقعة، وإنما انكشافاً فكرياً وحضارياً عميقاً يتعرض لأشكال من التخلف والاحتلال والتيه في العالم له علاقة بـ«الأصالة والمعاصرة» و«الحرب والسلام» و«التقدم والتخلف». لم يكن الطريق سهلاً ومع الاختبار الأول كانت القاعدة «أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، فكانت حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 في جانبيها العسكري والنفطي. بشكل مؤقت سوف ترتكز على التجربة المصرية؛ مع التأكيد أن المثال سوف يشمل العرب عندما نضع الاختبار في مرتبة التحقيق.

الجيل الذي ذهب يطالب الرئيس جمال عبد الناصر بالبقاء، لم يكن جيلاً لا خاضعاً ولا خانعاً، معظمه من نتاج التعليم المجاني عندما كانت المجانية لا تعني تخفيض نوعية التعليم لكي تلائم الموازنة العامة. كان العالم يتغير، وكان عدد من يعرفون القراءة قد زاد، ولم تعد الصحف وحدها هي مصدر النبأ، وإنما كان مضافاً لها الإذاعة والتلفزيون الذي ينقل ما يجري في كوكب فسيح. من كان في هذا الجيل داخل القوات المسلحة بقي فيها السنوات الست التالية، وكان هو الذي استقبلنا عندما أتى الدور لكي نتعلم منه وليس فقط في فنون القتال. لا توجد مدرسة في مصر يطلع فيها المصري على مصريته قدر ما تقدمه القوات المسلحة. بعض منا جاء من تجربة السد العالي وكان التفكير عما سوف يلي من مشاريع كان أشهرها منخفض القطارة.

لم تكن الحياة سهلة حيث يوجد التدريب والمناورات والاستعداد، وكانت برودة الليل قاسية في خدمات الحراسة ساعة الفجر، وكان الحر قائظاً وقت السير والحركة من مكان إلى آخر. كان خريجو الجامعات منا لا يشعرون، رغم قسوة كبح أحلام ما بعد التخرج، إلا بجلال المهمة التي تنتظرهم. لم يترددوا في توجيه رسالة تخرج في مظاهرات ذهبت إلى ميدان التحرير تطالب بالحرب، في وقت كان فيه شباب العالم يطالب بالحب وليس الحرب، في إشارة إلى حرب فيتنام التي لفظ فيها الجيل الأميركي العظيم آخر أنفاسه. بالنسبة إلينا لم يكن الحال كذلك، ولحسن الحظ أن العدو لم يعرف عن وجودنا الكثير، ولا ما يشكله من فارق. ومعه اعتبر معركة رأس العش والمدمرة إيلات وميناء إيلات وحرب الاستنزاف لا تزيد على حشرجة أنفاس أخيرة. معركة 6 أكتوبر 1973 شكلت نقلة في النخبة المصرية القائدة من تجربة «ثورة يوليو» إلى نظرة جديدة على الكون تنتج مشروعاً للسلام مع إسرائيل والتقدم مع «الانفتاح الاقتصادي».

أحلام الجيل ضاعت ليس فقط مع اغتيال السادات، وإنما لأن التجربة أخرجت من ضلوعها اختبار الازدواجية ما بين اللحاق بالعصر أو السجن داخل آيديولوجيا متأثرة بأفكار سجناء «الإخوان المسلمين» وما تبعهم من أفكار «القاعدة» و«داعش». الآن، الاختبار الأعظم تولّد بعد تراكم حروب الخليج؛ وبعد «الربيع العربي» على ما فيه من فوضوية وأصولية. يتمثّل الاختبار بالسعي نحو الاستقرار الإقليمي الذي نشهد فصوله في شرم الشيخ ما بعد حرب غزة الخامسة. الاختبار ونتيجته يحتاجان إلى البحث في مسائل معقدة لجيل شاب وطموح ويعيش في القرن الحادي والعشرين!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اختبار الجيل العظيم اختبار الجيل العظيم



GMT 11:44 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

الحرب والشعور المخادع

GMT 11:44 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

حين تهيأ العقول لخطاب التطرف

GMT 11:41 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

احتباس عالمى (1)

GMT 09:41 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

فواكه سحرية

GMT 09:36 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع: سُرَّ من رأى... ثم حزن!

GMT 09:31 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم
المغرب اليوم - فضيحة أندرو تعيد رسم ملامح العلاقة داخل القصر

GMT 19:48 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي
المغرب اليوم - دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي

GMT 15:47 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لتعزيز المناعة وصحة القلب
المغرب اليوم - مشروبات طبيعية لتعزيز المناعة وصحة القلب

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 16:46 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

وزارة الأوقاف المغربية تعلن عن موعد بداية شهر ربيع الثاني

GMT 20:56 2019 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

تغطية خاصة لمهرجان الجونة ببرنامج "عين" على قناة الحياة

GMT 20:41 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 00:47 2019 السبت ,16 شباط / فبراير

بيونسيه تحتفل بعيد الحب برفقة زوجها
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib