النظر في تاريخ الكون وتاريخنا

النظر في تاريخ الكون وتاريخنا

المغرب اليوم -

النظر في تاريخ الكون وتاريخنا

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

من الآن فصاعداً سوف نسمع كثيراً عن تليسكوب «جيمس ويب» الذي انطلق في 25 ديسمبر (كانون الأول) الماضي لاستكشاف الفضاء السحيق. التليسكوب الجديد سمي على اسم مدير وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» خلال الستينات من القرن الماضي، وأشرف على برنامج «أبوللو» الذي أخذ الإنسان إلى القمر.
لم تكن الرحلة الإنسانية في الفضاء سهلة ولا خالية من الصعوبات، وإنما اعترتها بعض الكوارث، والأخطر منها أن الصواريخ التي تطورت كثيراً أثناء السعي إلى خارج كوكب الأرض باتت جزءاً مهماً من الحرب الباردة وسباق التسلح فيها. كانت البداية مع إطلاق القمر الصناعي السوفياتي «سبوتنيك» في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1957؛ ووقتها كانت هناك دولة باسم «الاتحاد السوفياتي» تعد قطباً عظيماً في السياسة الدولية، وكان إطلاق قمرها تحقيقاً لأولى الخطوات العملية للإنسان في الفضاء. وفي سباق محموم بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة تحقق الكثير في مجال «غزو» البشر للفضاء، فتم إرسال عدد كبير من الأقمار الصناعية والمركبات المدارية تحمل رواداً للدوران حول الأرض ومركبات أتوماتيكية للهبوط على القمر.
وفي سنة 1969، توج هذا النشاط العلمي الهائل بهبوط أول إنسان على القمر عندما خطا نيل آرمسترونغ، خطوته الأولى التي باتت في الواقع قفزة هائلة للبشرية، حسب تعبيره.
كان برنامج «أبوللو» الذي حقق الهدف منه، وأعطى الفرصة لرحلات عديدة فيما بعد للحصول على عينات من «الكويكب» اللاحق بكوكب الأرض نهاية حقبة من العمل العلمي والتكنولوجي في الفضاء تميزت بالرغبة الاستعراضية، وتحقيق السبق وشد انتباه الرأي العام، ليس فقط في الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي، وإنما في العالم كله.
المرحلة التالية بعد أن تخلصت من دهشة المرحلة الأولى باتت أكثر عملية بتوسيع الاستفادة العملية من تطبيقات تكنولوجيا الفضاء، ومنها ولدت سلاسل أقمار الاتصالات العالمية، وتصنيع وتخليق مواد جديدة، والكشف عن الموارد الطبيعية على الأرض. ولما كانت التكاليف عالية فقد بات مهماً تخفيض الإنفاق فولدت فكرة «مكوك الفضاء» الذي يمكن استخدامه أكثر من مرة، ومن بعده إنشاء محطة كونية مأهولة تكون بمثابة المحطة التي يستقر فيها البحث العلمي، ومن الجائز أن تكون نقطة انطلاق لاستكشاف الكواكب والكون. وكان ذلك ما تحقق خلال العقود التالية حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عندما أنشأت الولايات المتحدة «مركز عمليات الفضاء» الذي يتولى البحوث في كيفية بناء ونقل ورفع النظم الفضائية الضخمة إلى المدارات المختلفة، بالإضافة إلى تطوير قدرة الإنسان على العمل في الفضاء، مع تقليل الاعتماد على الأرض في ناحيتي التحكم والإمداد. أصبح الفضول نحو اكتشاف الكون السحيق متصاعداً، خصوصاً مع ازدياد المعرفة الإنسانية بالمجموعة الشمسية، وكان الهدف من هذا الاستكشاف هو البحث عن حياة أخرى في الكون، ومعرفة أصل المجموعة وتطورها.
قاد ذلك إلى إدراك مهم هو أن الفضاء ممتد بأكثر كثيراً ليس فقط من كوكب الأرض أو مدارات نجم الشمس كلها، أو حتى المجرة التي نقع في قلبها، وإنما هناك فضاء لا تُعرف له حدود أو لمجراته ومجموعاته ونجومه عدد. وفي القلب في هذه العملية الاستكشافية كان تصميم وإنشاء تلسكوبات هائلة تنقل للبشرية صوراً للفضاء الممتد واللانهائي.
كان تليسكوب «هابل» هو النافذة الأولى قبل عقود في ثمانينات القرن الماضي، ليس فقط على الامتداد الجغرافي للكون، وإنما أكثر من ذلك الامتداد التاريخي والزمني، فلم يكن ما يأتي من السماء عاكساً لأمور في وقتها، وإنما هو بالضوء الذي يصل منها أتت منذ ملايين أو مليارات السنوات الضوئية التي تنقل لنا ما حدث، بينما ربما مكانها وأصلها وفصلها ذهبت إلى فناء.
تليسكوب «جيمس ويب» قدراته تزيد ست مرات على «هابل»، وصوره أكثر دقة ووضوحاً، وخلال الأيام القليلة الماضية أمكن المقارنة بين صور سابقة وأخرى حالية تحمل ما هو أكثر من الاستنتاجات والاستدلالات التي حملتها الأشعة تحت الحمراء أو البنفسجية التي ذهبت إلى أبعد مما ذهب سابقه في رواية قصة الكون. وعلى أي الأحوال فإن قصة هذا التليسكوب وذاك، تعكسان بشدة المسيرة العلمية والتكنولوجية التي عاشها الإنسان بعد أكثر من نصف قرن من الوصول إلى القمر. وكل ذلك بات ممكناً، لأن الأمور المعقدة أصبحت أكثر بساطة، وكلما باتت أكثر بساطة أصبحت أكثر وضوحاً، والأشياء الكبيرة أصبحت صغيرة بالطاقة نفسها أو أكبر، بل إن الكبير والصغير أصبحا مسألة يتحكم فيها الإنسان حسب الظروف. البساطة والتبسيط كانا دائماً من أسرار التقدم الكبرى، ويحكى العلماء دائماً كيف أنهم عندما يكتشفون شيئاً ينبهرون لأنهم لا يعرفون لماذا لم تكن هذه الفكرة الجديدة أول ما خطر ببالهم، نظراً لبساطتها المذهلة.
والحقيقة هي أن البساطة والتعقيد بات كلاهما له علاقة بالتقدم والتخلف، وهو تماماً الفارق الآن بين القدرات الإنسانية الهائلة لاقتحام أسرار الفضاء، بينما لا يزال الإنسان بدائياً في التعامل مع قضايا الكوكب في أقاليمه وعالمه.
التعامل مع الحرب الأوكرانية، والصراع الروسي الأميركي، والتوتر الصيني الغربي، والتقاعس في التعامل مع قضايا «الجائحة» و«الاحتباس الحراري» والهجرة والحروب الأهلية والتطرف العقائدي بأشكاله المختلفة يشهد على هذه الازدواجية الإنسانية بين ما يحدث على الأرض، حيث القعود عن حل الصراعات والحروب والفقر والهجرة والتعصب، وما يجري في الفضاء من بحث عن تاريخ عميق لكواكب ونجوم ومجرات.
هذه المفارقة عرفتها عندما زرت طهران قبل أكثر من عشرين عاماً، وأثناء حفل استقبال كان فيه جمع من الجنسيات قال صديق إيراني، بفخر شديد، إن العقل الإيراني مثل السجاد الإيراني (العجمي بلغة العرب) فيه من الدوائر والمربعات والخطوط وما لا أول له، ولا آخر، ما يجعله معقداً وعصياً على الفهم للآخرين. وساعتها لم تكن مشكلتي هي عما إذا كان الأجانب يفهمون العقلية الإيرانية أم لا، على الرغم من أنه لا توجد هناك حكمة في ألا يفهمك الآخرون، ولكنني لم أكن متأكداً أن الإيرانيين يفهمون عقلياتهم. وكذلك الحال مع العرب، وعندما عدت من الولايات المتحدة عام 1982، بعد دراستي العليا وجدت عاصفة في مصر حول «التمويل الأجنبي» للبحوث عن مصر، وكان تحت عنوان «وصف مصر بالأميركاني»، وكان ذلك مقاساً على كتاب «وصف مصر» الذي نتج عن الغزو الفرنسي لمصر، والذي أصبح الوثيقة الأولى في معرفة البلاد المصرية مع مطلع القرن التاسع عشر لم يكن هناك ما يماثلها. أيامها كان المنطق أن التمويل الأميركي لمراكز البحوث يعنى أن يعرف الأميركيون عنا كل شيء، وكان سؤالي هو عما إذا كنا نحن نريد أن نعرف عن أنفسنا كل شيء.
تليسكوب «جيمس ويب» سوف يزيد معرفتنا بالكون وتاريخه، وربما سوف يجد الإنسان ضالته عما إذا كانت توجد حياة من نوع أو آخر بعيدة عنا بعد السماوات كلها، بينما ما زلنا نعيش في عالم ضيق ما زال أمامه الكثير من الحكمة حتى يعيش.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النظر في تاريخ الكون وتاريخنا النظر في تاريخ الكون وتاريخنا



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:52 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
المغرب اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib