الملف الإثيوبي

الملف الإثيوبي؟!

المغرب اليوم -

الملف الإثيوبي

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

 

كما يفتح الرئيس ترمب جبهات الحرب من فنزويلا إلى إيران إلى غرينلاند، فإنه لا يكف عن فتح ملفات السلام من غزة إلى أوكرانيا؛ وصحيح أنه يتحدث عن ثماني جبهات سلام حققها، ولكنه في الواقع يقع على تخومها. الآن فتح «الملف الإثيوبي» مرة أخرى بعد أن فتحه في ولايته الأولى بالمشاركة مع البنك الدولي، ورغم أنه جرى التوصل إلى اتفاق، فإن الجانب الإثيوبي لم يعد إلى واشنطن للتوقيع. الملف في الحقيقة أكثر تعقيداً من ملف نهر دولي يسري عليه ما يسري على الأنهار الدولية كافة من «الأمازون» في أميركا الجنوبية و«الميكونغ» في آسيا و«الدانوب» في أوروبا. ولكن إثيوبيا ترفض مثل هذا العرض للقضية وتصرّ على أن الأنهار الدولية من صميم سيادة دولة واحدة هي دولة المنبع، وليس لدولة أو دول المصب، ويشمل الموضوع دول الممر. وبعيداً عن حجج القانون الدولي للأنهار، فإن إثيوبيا تركز على مجموعة من الحجج التي على الأرجح سوف تعرضها على الرئيس الأميركي.

أولها، أن إثيوبيا باتت دولة فقيرة بلا كهرباء بينما مصر دولة غنية باستغلالها لمياه النيل وكهربائها التي ينعم بها جميع المواطنين. والحقيقة، أن مصر لم تكن يوماً سبباً في فقر إثيوبيا، ولا كانت هي التي منعت الكهرباء عن إثيوبيا، وكلاهما الفقر والظلام مسؤولية إثيوبية بحتة. كما أن مصر لم تعترض أبداً على أن تقوم إثيوبيا بتوليد الكهرباء من سد النهضة، بلكن إثيوبيا تريد حرمان مصر من مياه النيل التي تصل إليها منذ آلاف السنين.

وثانيها، أنه كانت لدى إثيوبيا فرص تاريخية كثيرة للنمو والتنمية ولكنها للأسف لم تستغلها، فهي تُعدّ من أقدم الدول المستقلة في قارة إفريقيا، بل في العالم؛ إذ يرجع تاريخ قيامها كدولة مستقلة، إلى أكثر من ألفي عام. وعلى عكس الدول الأفريقية جميعها في جنوب الصحراء، فإن مملكة إثيوبيا القديمة، حافظت على حريتها، وعدم خضوعها لأي حكم استعماري، إلا مرة واحدة، حينما احتلتها إيطاليا، خلال الفترة من 1936 إلى 1941، خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1974، تمكنت مجموعة عسكرية، من إطاحة الإمبراطور هيلا سيلاسي (الذي كان يحكم البلاد منذ عام 1930)؛ وإقامة دولة اشتراكية. وبعد أن مزقت إثيوبيا الانقلابات الدموية، والانتفاضات الشعبية، ومواسم الجفاف الواسعة النطاق، وما خلفته من مشكلات ومجاعات وأوبئة، تمكن ائتلاف من قوى الثوار، وهو الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية EPRDF، من إطاحة الحكومة، عام 1991، وبعد فترة من عدم الاستقرار، وفي عام 1994 بدأت إثيوبيا في مرحلة جديدة من تاريخها.

وثالثها، أن إثيوبيا لم تعش سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والحروب والتوترات الخارجية مع جيرانها (الصومال وكينيا والسودان وإريتريا) فحسب، وإنما عاشت سنوات طويلة من التوترات الداخلية نتيجة الانقسام العرقي والطائفي والمذهبي. وتنقسم إثيوبيا إلي الجماعات التالية: أورومو 34.4 في المائة، أمهرة (أمارا) 27 في المائة، صومالي (صومالي) 6.2 في المائة، تيغراي (تغريينيا) وبعد ذلك جماعات صغيرة (تقديرات 2007). وبينما كانت طائفة «الأمهرة» هي المسيطرة خلال الفترة الإمبراطورية للدولة، فإن الفترة التالية لها توالت فيها جماعتَا التيغراي والأورومو الهيمنة على الهيئات النافذة في الدولة.

ورابعها، أن إثيوبيا بلد زراعي، يعيش أكثر من 68 في المائة من السكان في المناطق الريفية، ويضع النمو السكاني السريع ضغوطاً متزايدة على موارد الأراضي، ويوسع التدهور البيئي، ويزيد من الضعف أمام نقص الغذاء. مع وجود أكثر من 40 في المائة من السكان تحت سن 15 عاماً ومعدل الخصوبة لأكثر من 5 أطفال لكل امرأة (وحتى أعلى في المناطق الريفية).

وخامسها، دفع الفقر والجفاف والوضع السياسي وإعادة التوطين القسري من الحكومة إلى الهجرة الداخلية والخارجية لإثيوبيا منذ الستينات. قبل ثورة 1974، كانت أعداد صغيرة فقط من النخبة الإثيوبية تذهب إلى الخارج للدراسة ثم عادت إلى ديارها، ولكن في ظل نظم سياسية استبدادية، فرَّ الآلاف من البلاد، بشكل أساسي كلاجئين. بين عامي 1982 و1991 كانت هناك موجة جديدة من الهجرة إلى الغرب لجمع شمل الأسرة؛ ما حرم إثيوبيا من نخبتها المتعلمة.

وسادسها، وسواء كان الأمر هو النظام السياسي أو الحروب الداخلية أو الخارجية أو حرب استقلال إريتريا من الاستعمار الإثيوبي أو الصراعات العرقية في الدولة الإثيوبية، فإن مصر وما يأتي إليها من ماء لم يكن هو السبب في الفقر الإثيوبي أو المجاعات الإثيوبية. ومن المدهش أنه بعد أن أصبحت إثيوبيا تعيش حالة من الاستقرار السياسي النسبي، وبدأت فترة من النمو الاقتصادي والتنمية أن يكون توجهها هو المنازعة مع مصر والسودان على حقوقهما التاريخية؛ بينما يمكنها إقامة نظام للتعاون والتنمية المشتركة لاستغلال مياه النيل بما يعود بالفائدة على الجميع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الملف الإثيوبي الملف الإثيوبي



GMT 00:19 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

ضحية الأب

GMT 00:17 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

قصتى مع الكتب!

GMT 00:15 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مرة أخرى: المسئولية الإقليمية لمصر !

GMT 00:13 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

دواعش الغرب... مشكلته

GMT 00:12 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مجنون أفريقيا الرهيب

GMT 00:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

GMT 00:10 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

نهاية «ستارت 3»... عالم بلا حدود نووية

GMT 15:32 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

إصلاح ما بعد «الربيع العربي»

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 15:13 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:59 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

جزيرة Bora Bora بورا بورا الفرنسية الأهدى لقضاء شهرالعسل

GMT 09:17 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

خطوات ديكور سهلة لتزيين جدران المنزل

GMT 00:06 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

صابر الرباعي يعرب عن استيائه من "تفجير تونس"

GMT 19:13 2015 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

انطلاق أولى حلقات مسلسل "انتقام" على "mbc مصر"

GMT 05:46 2020 السبت ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إصابة لوكا يوفيتش مهاجم فريق ريال مدريد بوباء "كورونا"

GMT 18:25 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

جامعة أم الألعاب تتواصل مع الروابط والأندية

GMT 02:31 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

زاهي حواس يكشف حقيقة ما يُسمى بالزئبق الأحمر "
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib