الاستسلام مقابل السلام

الاستسلام مقابل السلام

المغرب اليوم -

الاستسلام مقابل السلام

بكر عويضة
بقلم : بكر عويضة

ثمة عَيب صارخ في اشتراط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على حكام إيران الاستسلام، تمثل في الطلب أن يكون استسلاماً «غير مشروط». هذا المطلب يتعارض مع مسار تاريخ الحروب، منذ بدأ عِراكُ المخلوقات في الغابات على الماء والمرعى، وصولاً إلى انصياع المهزوم لما يفرض المنتصر في كل حرب. إنما أين هُوَ وجه التعارض بين شرط الرئيس ترمب ومسارات الحروب تاريخياً؟ الجواب بسيط وليس بحاجة إلى ذكاء خارق، أما خلاصة مضمونه فتقول إن من أبسط بديهيات التفاوض أن يقرّ الطرف المنتصر لخصمه المهزوم، بعدما خضع فاستسلم، بحق البقاء والعيش في أمن وسلام. هل من مثالٍ يُذكر ضمن السياق التاريخي؟ نعم، فوثائق الحرب العالمية الثانية تُوثّق أن ستة وسبعين ألفاً من جنود الجيش الأميركي المُحاصر في جزيرة باتان في الفلبين استسلموا للجيش الياباني يوم التاسع من أبريل (نيسان) عام 1942، كي لا يلاقوا مصير الذين تضوروا، ثم ماتوا، جوعاً من زملائهم طوال حصار اليابانيين لهم ثلاثة أشهر.

ذلك الاستسلام الأميركي كان مقابل ضمان استمرار البقاء، أليس كذلك؟ بلى، بالطبع. إذنْ، يبدو من الطبيعي الافتراض أن يضمن سيد البيت الأبيض، وشريكه في الحرب، بنيامين نتنياهو، لكل الإيرانيين، بكل تعدد أعراقهم، وتنوع ثقافاتهم، الحق في العيش بأمان وسلام فور توقيع وثيقة الاستسلام، بمن فيهم الناجون من القتل بين حكامهم الموقعين على الوثيقة. في الواقع، من المنطق الإقرار بوجود نوع «KIND OF» من ضمان كهذا ورد في غير تصريح للرئيس ترمب عندما أطلق شعار «لنجعل إيران عظيمة من جديد»، على غرار شعاره الشهير «لنجعل أميركا عظيمة من جديد». لكن المشكل أن السيد الرئيس لم يفصح، أو لم يتوسع، في شرح كيفية جعل إيران «عظيمة»، مجدداً. ووفق العرف السياسي، يمكن القول إن كتمان التفاصيل حق له، إنما، في المقابل، ربما يصح كذلك التخمين باحتمال إحجام فئات عدة عن المغامرة بالإقدام على المشاركة في الحرب ضد النظام من منطلق غياب الضمانات، وغموض مرحلة ما بعد الحرب. من تلك الفئات، مثلاً، فصائل أكراد إيران ذات الوجود المُسلّح على الحدود العراقية - الإيرانية.

من المهم ولوج ختام هذه المقالة بتثبيت أمرين أدركُ أن كلاً منهما قابل للنقاش، وبالتالي لستُ أفترض الاتفاق معي إزاء أيهما. خلاصة الأول هي أن القبول بالاستسلام، بكل مراراته، يعني تقبّل الأمر الواقع. على سبيل المثال، عندما يرفض أي مريض تَقَبُّل تشخيص الطبيب للمرض، فإنه يُقدّم مكابرة الشخص المقيم في داخله، والمتحكم في العقل والقلب منه، على حاجة المريض المحتاج، بأسرع وقت ممكن، إلى العلاج، كي يعيش، وبأمل أن يحقق الآمال والطموحات. أما مضمون ثاني الأمرين، فهو أن قادة تنظيمات وأحزاب وحركات العمل السياسي في العالمين العربي والإسلامي، آنَ لهم جميعاً أن يراجعوا أنفسهم، وأن يكفوا عن الزج بـ«المُعتَّرين» والبسطاء من الناس في حروب خاسرة، فلا تنتقل مآسي قطاع غزة إلى إيران، ثم لبنان، ولا يطل عيدُ فطر بعد أضحى، وحال المشردين في أوطانهم يصدع بألم السؤال: بأي حالٍ عدتَ يا عيدُ؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستسلام مقابل السلام الاستسلام مقابل السلام



GMT 23:14 2026 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

مونديال إيراني خاص

GMT 23:11 2026 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

مصر 3- نيوزيلاندا1

GMT 23:05 2026 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

الصرح الطبى الكبير

GMT 23:03 2026 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

استوود والرباعي وحديث الاعتزال

GMT 07:06 2026 الإثنين ,22 حزيران / يونيو

القذافي وجنبلاط وأبو نضال في قارب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,22 حزيران / يونيو

جنود المرشد ووكلاء ترمب

GMT 07:04 2026 الإثنين ,22 حزيران / يونيو

سلوك إيران... عابرٌ أم راسخٌ؟!

هيفاء وهبي بإطلالات رياضية أنثوية تجمع بين الراحة والفخامة

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 16:57 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

حذار النزاعات والمواجهات وانتبه للتفاصيل

GMT 16:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحوت" في كانون الأول 2019

GMT 00:36 2017 الأربعاء ,18 تشرين الأول / أكتوبر

دراسة تؤكد ارتباط بين النوم لفترات طويلة والخصوبة

GMT 02:44 2016 الخميس ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

خبراء السياحة يقدمون لك قائمة بأفضل الأماكن الأثرية

GMT 18:55 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرف لقاءً مهماً أو معاودة لقاء يترك أثراً لديك

GMT 05:43 2016 الخميس ,20 تشرين الأول / أكتوبر

منظمة رقابية تعلن براءة كلفن ماكينزي من أية إدانة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib