إلى متى

إلى متى!

المغرب اليوم -

إلى متى

حسين شبكشي
بقلم : حسين شبكشي

القطبية وحدّتها أصبحت سيدة الموقف في معظم الأطروحات التي يتم مناقشتها في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط تحديداً اليوم. كل شيء يتم تسييسه بشكل حاد وعنيف جداً. وخلطة الدين بالسياسة سممت المواضيع، فكل فريق يعتقد بأنه وكيل الله على الأرض، وأنه وحده صاحب المفاهيم الدينية الصحيحة، ويتحول الخلاف السياسي التقليدي إلى خلاف ديني لا حل له تماماً كوصف الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في المنطقة، الذي وصفه بعبقرية الكاتب اللبناني الكبير حازم صاغية في كتابه الممتع «نواصب وروافض». وهذا يذكرنا بالمشاهد نفسها التي حدثت في أوروبا من قبل خلال الحروب الدموية الطويلة التي حدثت بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين الكاثوليك والأرثوذكس، وراح ضحيتها المئات من الآلاف من الأبرياء.
غياب دولة المؤسسات التي فيها فصل واضح وشديد للسلطات، وتكون فيها سلطة القانون فوق الجميع بإطار مدني خالص، هو أحد أسباب تحول معظم النزاعات والخلافات السياسية إلى حملة من التكفير للغير، سواء بشقيها الديني أو الوطني. في نهايات حقبة السبعينات من القرن الماضي، حدثت ثلاثة أحداث جوهرية «أعادت» استخدام التشدد الديني إلى واجهة الأدوات السياسية المستخدمة.
الحدث الأول كان وصول مناحيم بيغن على رأس حزب «الليكود» الديني المتشدد إلى رئاسة مجلس الوزراء في إسرائيل، وذلك كأول حزب ديني يصل لهذا المنصب بعد أن كان المنصب تقليدياً من نصيب حزب «العمل» العلماني اليساري، وتحول بذلك الأمر الطرح السياسي في إسرائيل بشكل ديني صريح وفج، وهذا اتضح لاحقاً بتفسيرات مواقفه وقراراته السياسية والدبلوماسية والعسكرية من وجهة نظر توراتية وتلمودية بحذافير النصوص المؤيدة لها.
الحدث الثاني كان تبوؤ البابا يوحنا بولس الثاني كرسي الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان كأول شخصية من أوروبا الشرقية، تحديداً من بولندا التي تقبع خلف الستار الحديدي للمعسكر السوفياتي، وقد فطن إلى أهمية ذلك الأمر ورمزيته الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، وقرر التعاون معه لتحريك المياه الراكدة في بولندا البلد الكبير والمؤثر في المعسكر الشرقي، الذي لديه إرث كاثوليكي مهم لإحداث شرخ مؤثر في الجدار السوفياتي حتى سقط الجدار وانتهى معه الاتحاد السوفياتي وحلفه.
الحدث الثالث كان سقوط نظام الشاه في إيران، ومجيء شخصية دينية شديدة التطرف بمشروع ثوري وانقلابي معد للتصدير حول المنطقة.
غطى هذه الأحداث الثلاثة بشكل موسع وعميق الكاتب الفرنسي الكبير جيل كيبل في كتابه المهم «انتقام الرب». القطبية السياسية الموتورة بالهوس العقائدي مستمرة في التصاعد طالما بقي كل فريق يعتقد أنه «وحده» على صواب وغيره ضال ومبتدع. مساحات الخطابات الإقصائية لا تزال تتسع بشكل مخيف مهما تعددت الشعارات المبررة لها.
المشهد اللبناني الحالي لا يختلف عن غيره في سوريا والعراق وليبيا واليمن؛ إذ جميعها مسائل خلافية وتاريخية كتب لها أن تتمدد بسبب غياب المنظومة المدنية الحامية للحقوق المدنية تحت مظلة القانون للدولة الوطنية التي تسع الكل وتحمي الكل. إذا أردنا أن نتعظ من دروس التاريخ، فيجب أن نتمعن في عبره جيداً، والاستفادة منها، ونستفيد من تجارب الأمم الأخرى. ألمانيا بعد هزيمتها المدوية في الحرب العالمية الثانية قررت الخلاص الفوري والعنيف والكامل من كل إرثها النازي بلا استثناء، وقامت بتنقية كتبها ومؤلفاتها وأدبها وفنونها من كل شيء ممكن أن يكون له أي أثر له علاقة بالفكر النازي، ومنعت وجرمت التعاطف والانتماء له. وقلبت ألمانيا الصفحة تماماً وبدأت في صفحة بيضاء وجديدة وناصعة، وانطلقت ببناء نفسها مجدداً حتى تمكنت من ذلك بنجاح.
الوضع السياسي القائم في المنطقة العربية اليوم المبني على توافقات دينية وطائفية ومذهبية وقبلية وعرقية وعشائرية هو وضع هش وضعيف سرعان ما يشتعل مع أضعف هزة، ولن يحميه إلا بمراجعة جادة وإطلاق منظومة القانون والدولة المدنية التي لا إقصاء فيها لأحد، ولا علو فيها لأحد.
التاريخ مدرسة مجانية لمن أراد أن يستفيد ويتعظ، ولكنه يعلمنا أيضاً أن لغة الإقصاء وسلاح المنتصر هي مسألة مؤقتة، ولا تدوم مهما طال الوقت. عندما يتحول كل موضوع من الرياضة وكرة القدم وصولاً إلى حالة الطقس والأمطار إلى موضوع يقسم المجتمعات بشكل حاد، هنا يجب أن ندرك أن هذه هي أعراض مرض خطير أشبه بسرطان خبيث وقنبلة جاهزة للانفجار، متى ما انفجرت لن يسلم من شظاياها أحد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إلى متى إلى متى



GMT 18:10 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

من قصص الناس

GMT 15:34 2021 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

شعر لزهير بن أبي سلمى والنابغة وغيرهما

GMT 21:53 2021 الإثنين ,11 كانون الثاني / يناير

لقاح الكورونا ونظرية المؤامرة

GMT 17:37 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

بعض الشعر العربي للقارئ

GMT 18:46 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

بعض الشعر العربي

سيرين عبد النور بإطلالة جمالية ملفتة في أحدث ظهور لها

الرباط _المغرب اليوم

GMT 05:20 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

أحدث 4 صيحات بناطيل جينز موضة ربيع 2021
المغرب اليوم - أحدث 4 صيحات بناطيل جينز موضة ربيع 2021

GMT 06:15 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

"متحف الغموض" في دبي تجربة سياحية شيقة لعشاق الألغاز
المغرب اليوم -

GMT 06:10 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

ديكورات مطابخ عصرية بالخشب واللون الأبيض تعرف عليها
المغرب اليوم - ديكورات مطابخ عصرية بالخشب واللون الأبيض تعرف عليها

GMT 00:06 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

مستشار الأمن القومي العراقي يُدافع عن قرارات الكاظمي
المغرب اليوم - مستشار الأمن القومي العراقي يُدافع عن قرارات الكاظمي

GMT 04:51 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

"تغريدة غريبة" لمايك بومبيو تثير المزيد من التكهنات
المغرب اليوم -

GMT 06:45 2021 الجمعة ,22 كانون الثاني / يناير

المغرب أفضل وجهة لسياح إسبانيا خارج قارة أوروبا
المغرب اليوم - المغرب أفضل وجهة لسياح إسبانيا خارج قارة أوروبا

GMT 11:01 2021 الجمعة ,22 كانون الثاني / يناير

مصادر تكشف عن قرب تعاقد منى عراقي مع قناة "الشمس"
المغرب اليوم - مصادر تكشف عن قرب تعاقد منى عراقي مع قناة

GMT 12:55 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

اتيكيت" قيادة السيارة والأصول التي يجب اتباعها

GMT 18:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 19:36 2020 الجمعة ,11 أيلول / سبتمبر

اتيكيت" التصرف عند التأخر عن الموعد

GMT 08:29 2017 الأربعاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الطقس و الحالة الجوية في بن سليمان

GMT 20:30 2014 السبت ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

الأرائك في غرف النوم تنمحها لمسة عصريّة أنيقة

GMT 18:14 2016 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

هدايا غريبة ستنال إعجابه في عيد الحب

GMT 17:16 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

تكبير الأرداف من دون عملية

GMT 04:01 2017 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

"DesignSixtyNine" أفضل مدونة للتصميم الداخلي في 2017

GMT 00:49 2017 الخميس ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

اختراع تركيبة دوائية تذيب الدهون المتراكمة في الشرايين

GMT 18:43 2020 الجمعة ,19 حزيران / يونيو

تعطل تطبيق "واتس آب" في مصر
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Almaghrib Today for Media Production
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2020 ©

Maintained and developed by Almaghrib Today for Media Production
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2020 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib