كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

المغرب اليوم -

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

نديم قطيش
بقلم : نديم قطيش

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى وبلدات جبل عامل جنوب نهر الليطاني وشماله. أظهر هذا التزامن الفجوة الهائلة بين خطاب انتصاريّ عالي النبرة، وواقع ميدانيّ معاكس قدّمته أرض المعركة.

كرّر نعيم قاسم على مسامعنا تفاصيل السرديّة التأسيسيّة: الانسحاب الإسرائيليّ في أيّار من العام 2000 كان نتيجة قدرة المقاومة على فرض النتائج على الأرض، وهي السرديّة التي أحسبها لبّ المشكلة، والتواطؤ الأصليّ الذي أنتج كلّ ما يمرّ به لبنان اليوم.

لنتذكّر أنّ وعد الخروج من لبنان، كان التزاماً انتخابيّاً قطعه إيهود باراك، وخاض على أساسه حملته لرئاسة الوزراء في إسرائيل. وفي حساباته آنذاك أنّ البقاء في جنوب لبنان فقد مبرّراته الاستراتيجيّة، لا سيما بعد توقيع اتّفاق أوسلو عام 1993. فكيف تتفاوض مع الفلسطينيّين في واشنطن وتحتفظ بجنودك في جنوب لبنان باسم مواجهة خطر منظّمة التحرير اللاجئة في تونس؟
حافظ الأسد كان في طليعة المعارضين للانسحاب، لأنّ الانسحاب ينسف استراتيجيته التفاوضيّة القائمة على ربط لبنان بالجولان: انسحابان في حزمة واحدة، أو لا انسحاب

وهم إقليميّ؟

قبل ذلك، أفقد سقوط الاتّحاد السوفيتيّ سوريا راعيها وسلاحها الدبلوماسيّ، ودفع دمشق، التي كانت ترفض أيّ تفاوض مباشر مع إسرائيل وتشترط مؤتمراً أمميّاً، إلى الجلوس في مدريد والتفاوض الثنائيّ المباشر. كان حافظ الأسد يراهن على أنّ قتاله إلى جانب واشنطن في معركة تحرير الكويت، سيمنحه موقعاً تفاوضيّاً أفضل تجاه إسرائيل. بالغ الرئيس السوريّ في ذلك مفضياً إلى تعثّر المسار السوريّ-الإسرائيليّ (وتعثّر المسار اللبنانيّ-الإسرائيليّ كأحد مشتقّاته)، فللم يجد باراك أمامه سوى الانسحاب الأحاديّ الجانب دون اتّفاق مع أحد.

اللافت أنّ حافظ الأسد كان في طليعة المعارضين للانسحاب، لأنّ الانسحاب ينسف استراتيجيته التفاوضيّة القائمة على ربط لبنان بالجولان: انسحابان في حزمة واحدة، أو لا انسحاب. فهم الأسد أنّ مناورة باراك تنزع منه ورقة “الحزب” قبل أن يقبض ثمنها أو يستوفي عائداتها بالكامل. وهنا المفارقة أنّ الاحتلال كان يخدم الأسد والانسحاب يخدم باراك.

داخليّاً، كان الرأي العامّ الإسرائيليّ قد سبق باراك إلى قراره على الرغم من أنّ ما فقدته إسرائيل لم يتجاوز 256 قتيلاً في 15 سنة. بل إنّ رئيس الأركان شاؤول موفاز كان يحتفل بعام 1999 بوصفه “الأنجح في لبنان” لأنّ الجيش لم يخسر سوى 11 جنديّاً، أي أنّ النجاح بات يُقاس بالتقليل من الخسائر في غياب أيّ مشروع استراتيجي لإسرائيل يبرّر البقاء في جنوب لبنان.

على الرغم من كلّ ذلك، نسب “الحزب” لنفسه الفضل الحصريّ في قرار استراتيجيّ اتُّخذ في تل أبيب، لا في ميدان القتال. وأصبح هذا الفضل المدّعى الرأسمال التأسيسيّ لاحتكار الحزب للسلاح على مدى 26 عاماً، ودفع اللبنانيّون أثمانه مع الفوائد المتراكمة من دمهم وأرزاقهم وطمأنينتهم.

خلق النصر المزعوم عام 2000 المبرّر للتسلّح الدائم. وخلق التسلّح الدائم بدوره حافزاً مستداماً لإسرائيل لشنّ ضربات استباقيّة وحروب متمادية، في حين مُنع لبنان من ترجمة الانسحاب الإسرائيليّ إلى سلام أو هدنة صلبة.

فور الانسحاب، رفعت حركة حماس “النموذج اللبنانيّ” شعاراً، واعتبرته الدليل الحيّ على أنّ المقاومة المسلّحة وحدها تُحرّر الأرض. كذبة التحرير لم تخدع اللبنانيّين وحدهم، بل غذّت وهماً إقليميّاً امتدّت تداعياته من غزّة إلى بغداد وطهران.

تلت ذلك حرب تمّوز 2006. ثمّ حرب العام 2024، ثمّ الجحيم الذي يعيشه لبنان الآن بعد أن جدّد “الحزب” اشتراكه في الحرب، في إثر مقتل المرشد الإيرانيّ علي خامنئي. كلّ ما حلّ بلبنان طوال هذا التاريخ الممتدّ لأكثر من ربع قرن نتج مباشرة وبشكل حتميّ عن أسطورة العام 2000 والتواطؤ اللبنانيّ على قبول سرديّة “الحزب” يومها. فقد بات “التحرير” نصراً لا مجال لإحالته إلى التقاعد، لأنّ إحالته إلى التقاعد تتطلّب الإجابة على سؤال واحد لا جواب عليه يناسب إيران ومشروعها: هل من هويّة للشيعة خارج منطق السلاح ووهجه ودوره؟
التصريح السياسيّ الأكثر أهميّة في خطاب قاسم كان صمته المطبق عن المستقبل، في مقابل غرقه في أمجاد الماضي، المزعومة في الغالب

حالة يأس؟

لذلك لم يكن مستغرباً أن يعلن قاسم أنّ نزع السلاح يعادل الإبادة، نازعاً عن الدولة اللبنانيّة حقّها الطبيعيّ في فرض حصريّة السلاح. ليست هذه الصياغة المتطرّفة ترفاً، علماً بأنّ اتّفاق الطائف عام 1989 تضمّن نزع سلاح الميليشيات ولم يستثنِ “الحزب”، كما طالب بذلك قرار مجلس الأمن رقم 1559 في عام 2004، وفرضه القرار 1701 في عام 2006، وكرّسه اتّفاق وقف إطلاق النار لعام 2024. وعلى مدار 37 عاماً، كانت الإجابة دائماً هي الخطاب نفسه الذي ألقاه قاسم، والذي يُلقى دوماً على مسامع اللبنانيّين بالنبرة ذاتها المفعمة بحالة الطوارئ الوجوديّة.

وحين يصنِّف “الحزب” كلّ آليّة لمعالجة السلاح الفئويّ كمحاولةٍ للإبادة، ويواظب على هذه الحجّة طوال أربعة عقود، فإنّه يكشف عن خوفه الحقيقيّ، وهو أنّ “الحزب” لا يمكنه البقاء من دون سلاحه. السلاح هو “الحزب”، و”الحزب” هو السلاح. جرّد “الحزب” من سلاحه، ولن تجد سوى شبكة خدمات زبائنيّة، وفصيل سياسيّ شيعيّ من بين فصائل أخرى، وقاعدة انتخابيّة لا يملك حيالها أداة للإكراه. إنّ “الإبادة” التي يخشاها قاسم هي نزع السلاح، ونزع السلاح هو بالضبط ما يحتاج إليه لبنان.

لعلّ دعوة قاسم المواطنين اللبنانيّين للنزول إلى الشوارع وإسقاط حكومة “عون-سلام”، هي أبرز الأدلّة التي قدّمها بلسانه عن حالة اليأس التي يعيشها التنظيم. فالسلاح العاجز ينتج عجزاً سياسيّاً فوريّاً.

ما عاد “الحزب” يملك القدرة على منع الجيش اللبنانيّ من المثابرة على مكافحة السلاح جنوب نهر الليطاني مع كلّ ما يعتري ذلك من تقصير من قبل الدولة. ولا يمكنه إلغاء المحادثات العسكريّة الإسرائيليّة اللبنانيّة مع البنتاغون. كما لا يمكنه منع الإجماع الدوليّ على أنّ نظام ما بعد الحرب يتطلّب دولة لبنانيّة تتمتّع بحصريّة السلاح.

فالزمن ليس زمن 7 أيّار 2008، ليعالج “الحزب” خساراته السياسيّة والعسكريّة بعمليّات بلطجة ضدّ المواطنين اللبنانيّين، أو ليفرض بقوّة السلاح اتّفاقاً كاتّفاق الدوحة الذي ضمِن له حقّ النقض من داخل الحكومة.

جاء خطاب عيد التحرير طويلاً. غطّى فيه قاسم موضوعات العدوّ الإسرائيليّ، والمشروع الأميركيّ، وخيانة الحكومة، ومجد الشهداء، وديمومة السلاح، والنموذج الإيرانيّ، والمحتجَزين البحرينيّين، والقضيّة الفلسطينيّة، والمسار التاريخيّ من عام 1982 إلى 2000 وحتّى الحاضر.

لكنّه لم يستطِع تحديد كيف ينهي لبنان هذه الحرب أو يعرِّف أفقها الاستراتيجيّ. ولم يقدّم أيّ نظريّة حول كيفيّة تعافي جبل عامل. ولم يقدّم أيّ تفسير للنصر الذي تبجّح به. لم يطرح مساراً لتنفيذ وقف إطلاق النار، ولا إطاراً لعودة النازحين، ولا رؤية للبنان تضمن أن يكون سيّداً وآمناً في آن واحد.

إنّ التصريح السياسيّ الأكثر أهميّة في خطاب قاسم كان صمته المطبق عن المستقبل، في مقابل غرقه في أمجاد الماضي، المزعومة في الغالب.

فالحركة التي تملك أفقاً سياسيّاً، تتحدّث عمّا سيأتي غداً. أمّا الحركة الأسيرة داخل أسوار أسطورتها، فلا تملك إلّا العودة، مراراً وتكراراً، إلى لحظة ولادة الأسطورة، إلى صباح ذلك اليوم من شهر أيّار عام 2000، إلى كذبة التحرير، عندما أنهت إسرائيل احتلالها للبنان، وبدأنا نحن، بهدوء، الحرب الطويلة على أنفسنا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان



GMT 18:13 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لبنان… امتحان آخر لترامب

GMT 18:07 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

GMT 18:05 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

هل تغيرت نظرة عقل الدولة للأحزاب؟!

GMT 18:03 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كيف قطفت إيران ثمرة فلسطين؟!

GMT 18:01 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كيف ينجح لبنان في شرق أوسط جديد؟

GMT 17:57 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لا تنظر سوى إلى «ورقتك»

GMT 00:39 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 00:35 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - المغرب اليوم

GMT 08:23 2020 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

لطيفة رأفت تتمسك بالموسيقى المغربية في "كرهت الحب"

GMT 09:56 2019 الإثنين ,02 أيلول / سبتمبر

نهضة بركان ينفصل رسميا عن مدربه منير الجعواني

GMT 13:31 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

التيمومي يبحث عن لاعبين للجيش في كأس إفريقيا

GMT 07:40 2018 الثلاثاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ريتا أورا حيث تحتفل بألبومها الثاني الذي ينتظره الجميع

GMT 20:57 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"كهرباء دبي" تسعى لضمان استدامة الريادة العالمية للامارات

GMT 07:41 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

نساء قبيلة تشن يضعن الوشم بشكل دائم لدرء الاختطاف
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib